الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / بانوراما الفساد …من الأسد إلى المعارضة

بانوراما الفساد …من الأسد إلى المعارضة

د.رفعت عامر

عرَّف
المفكر السوري طيب تيزيني الفساد
بقوله: “منظومة متكاملة تشكلت على أرضية احتكار السلطة والمال والإعلام
والمرجعيات.

ومع أن هذا التعريف هو نتاج بحث
نظري وجهد فكري وعملي كبير للمفكر “تيزيني” إلا أنه يُعتبر بديهياً
واستنتاجاً طبيعياً للغالبية العظمى من
السوريين بحكم معايشتهم اليومية لمسيرة الفساد والإفساد في “سوريا الأسد “على
مدار 43 عاماً، ويكفي ملاحظة مجموعة من
الظواهر والسلوكيات اليومية في مدينة كبيرة
كدمشق أو حلب من تنظيم السير فيها وحركة المرور وفوضى تنقل
البشر في الشوارع وإجراء معاملة في أي من
مؤسسات الدولة على الأخص تلك التي يزيد الطلب على خدماتها مثل دائرة المرور
والمركبات، وأمام القصر العدلي الذي يتزاحم على مدخله الرئيسي شهود الزور ومطالعة
الصحف اليومية التي خبرها الأول استقبل وودّع سيادة الرئيس أو إصدار عفو عام …الخ.

هذا الجولة ببساطة تشرح لنا
مفهوم الفساد التي تحدث عنه التيزيني
، بالرغم من قناعة الجميع في سوريا أن
الفساد يُصنع ويطبخ، ويعاد إنتاجه في القصر الجمهوري وبحضور المعلم في رأس الهرم السلطوي
مع مجموعة من المساعدين والنافذين المقربين من رجال الأمن والجيش والتجار
والإعلاميين ورجال الدين ووجهاء عشائر،
“نظام رأسمالية المحاسيب “كما سماه جمال باروت إلا أن المواطن
السوري البسيط الذي يتلقى القرارات والتعليمات دون مشاركة له فيها
يقوم أيضا بالمساهمة والمساعدة على انتشار الفساد وتأصيله وإعادة إنتاجه مع
أنه المتضرر الأول والأخير منه من خلال
ترسيخه لقيم وثقافة الفساد في البيت والمدرسة.

وكل المؤسسات المجتمعية حتى تحوّل الفساد المطلق
إلى ثقافة تبرر سلوك الفاسد، وترفع من مكانته الاجتماعية حتى أصبح في ثقافة الناس الاجتماعية ..”قبضاي ورجّال”.

لقد وُلد جيل كامل من
السوريين لا يعرف شيئاً عن آليات عمل مؤسسات الدولة الحديثة، ولا يعرف معنى فصل
السلطات، ولم يمارس المواطنة، ولا يدرك مفهوم الحق والواجب، ولا يعرف شيئاً عن الشفافية والمحاسبة والرقابة والإعلام
الحر لذلك مازال السوريون يفكرون ويمارسون الثقافة نفسها، والعقلية نفسها التي
حكمَ نظام الفساد في سوريا. وتفسر إلى حد ما سبب تعثر المعارضة في إنشاء مؤسسات
بديلة عصرية وديمقراطية تلبي طموح الشعب السوري.

لقد خرج تقرير مؤخراً عن
المركز العربي للدراسات يؤكد أن الفساد في
العالم العربي شكّل 37% من الناتج المحلي الإجمالي وأن 90% من الأسباب التي أشعلت
ثورات الربيع العربي يعود للفساد.

وفي تقرير آخر سابق لمنظمة الشفافية العالمية
يذكر التقرير أن” سوريا تأتي في المرتبة الثالثة بعد الصومال والعراق في معدل
الفساد
في العالم العربي. وإذا ما ربطنا التقرير الأول بالثاني سنستنتج كم هو المعدل الحقيقي الممكن للفساد
في سوريا.

نعم لقد
خرج السوريون في ثورتهم للقضاء على الفساد والاستبداد، وقدموا فيها الغالي والنفيس
لمحاربته، ونجحوا نوعاً ما في تحدّي الاستبداد
السياسي، ولكنهم مازالوا للأسف دون أي تقدم على مستوى محاربة الفساد الذي انتقل إليهم
بحكم انتقال سرطان الفساد من جسم النظام إلى جسد المعارضة، مما ساهم هذا العامل بالإضافة
لعوامل أخرى بتأسيس أرضية خصبة لظهور منظومة الاستبداد الديني.

أربع سنوات من عمر الثورة كانت كارثية من حيث
انتشار الفساد وتغلغله في جسد مؤسسات المعارضة، الأرقام الوقائع في هدر المال
العام لدى الحكومة المؤقتة تؤكد ذلك من رواتب وأجور ومكافآت وصرف على مشاريع وهمية
موجودة فقط على الورق ومحسوبيات وسوء إدارة كان قد طرحَ على السوريين أسئلة جدية من نوع: هل الفساد مرض عُضالي وراثي عند السوريين
بدءاً من الأسد الأب إلى الأسد الابن إلى المعارضة؟ وهل من مبرر لهذا الهدر في الموارد بعد كل هذه
التضحيات الجسام في البشر والحجر؟ ماهو حصاد الأربع سنوات في الحرب على
الفساد والاستبداد؟

ما هو الطريق الصحيح للخلاص من آفة الفساد؟ هذا وغيرها
من الأسئلة حول مفهوم الفساد نظرياً وتجسيداته
العمليةً في مؤسسات النظام والمعارضة ستكون المحاور الرئيسية التي سأسلط الضوء
عليها تباعاً خلال الأعداد القادمة.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *