نبيل شبيب/
دخلت الثورة الشعبية في سورية في المنعطف الحاسم لصراع الإرادات، وهذا ما يقترن بإحاطة اللحظة الفاصلة الراهنة بالضباب الذي يمنع صاحب القضية من رؤيتها على حقيقتها، وهو خليط من ضباب أحداث جارية بالفعل، وأخرى أقرب إلى “التزوير”، بمعنى تضخيمها ووضعها في الصدارة كأنها هي الحاسمة، مع تغييب سواها وقد يكون أهم منها.
الحدث أكبر بكثير، وأعقد بكثير، من قابلية تصويره بكلمات تعميمية، ومع ذلك انتشر التعميم بصورة ملحوظة، إذ يوجد من يعمل على نشره، أو يقع في “الفخ”. وليس مجهولا أن هذا الميدان من الحرب النفسية، وحرب الشائعات، هو من أوسع الميادين استخداما، وأكثرها تأثيرا على اللحظات الحاسمة في جولات التغيير الكبرى.
لا يفيد القول التعميمي مثلا:
انتهت الثورة، تم تدويل الثورة، انهارت الثورة داخليا، هذه مؤامرة دولية على شعب سورية…
ولا يفيد القول التعميمي أيضا:
ستنتصر الثورة مهما صنع أعداؤها، والشعب صامد مهما بلغت المعاناة، اكتساب الغنائم وتصنيع السلاح محليا يغنيان عن استيراده.. أو: لا توجد انحرافات وأخطاء.
جميع ما سبق وأمثاله فيه بعض الصواب وبعض الخطأ، كما هو الحال مع كل قول تعميمي.
نحتاج إلى رؤية اللحظة الراهنة على حقيقتها لنبصر ما يمكن أن يترتب عليها، ولنحدد ما ينبغي صنعه من أجل أن يترتب عليها ما نريد، أي تحقيق هدف الثورة المحوري: تحرير الإرادة الشعبية والوطن وأهله من كل استبداد محلي أو هيمنة خارجية.
نحتاج إلى رؤية اللحظة الراهنة.. الحاسمة، على حقيقتها من خلال “فكفكة المشهد” المطروح أمام أبصارنا، لنتحرر من مفعول طرحه بمختلف سبل التأثير على “المشاهد”.. أي علينا، لنفكر ونعمل وفق ما يراد لنا، وليس وفق ما نحتاج إليه.. أي إذا أبصرنا المشهد على حقيقته من خلال “فكفكة عقده”.
من علامات اللحظة الراهنة الحاسمة ميدانيا:
(١) تسليط الأضواء على أهوال المعاناة الشعبية على مختلف الأصعدة
(٢) تغييب مفعول جهود ذاتية كبرى، محلية وخارجية، لتخفيف المعاناة
المقصود هو التيئيس على المستوى الشعبي..
والمطلوب بالمقابل هو عدم التهوين من شأن المعاناة وعدم التهوين من شأن ما يبذل لتخفيفها، وليس السبيل إلى ذلك الاستجابة لشروط سياسية، فلن تستأصل أسباب المعاناة من جذورها دون إسقاط بقايا النظام والحيلولة دون هيمنة خارجية في وقت واحد.
(٣) تغييب سياسي وإعلامي لمجرى المعارك “الثورية الخالصة” وما تعنيه ميدانيا
(٤) تسليط الأضواء على أخطاء وانحرافات ميدانية، ذاتية ومصطنعة، كبيرة وصغيرة
المقصود هو نشر الاعتقاد باستحالة استمرار فعاليات الثورة، والتخويف من حصيلة استمرارها بدعوى وصول أطراف منحرفة إلى قيادة المرحلة التالية..
والمطلوب هو استحضار الانتصارات الجارية على حقيقتها وبيان الشروط التي تجعلها ممكنة، واستحضار الأخطاء والانحرافات على حقيقتها، وبيان أنها من حيث حجمها الحقيقي الذاتي تضاعف مفعول الممارسات المعادية بأساليب مختلفة، وبيان أن علاجها الآن مطلوب قطعا مع تقدير حجم الممكن منه، إذ يستحيل أن يكون “كاملا ونهائيا” إذا صار الانشغال به على حساب صناعة الانتصارات الميدانية نفسها.
المطلوب هو استحضار الانتصارات الجارية على حقيقتها وبيان الشروط التي تجعلها ممكنة، واستحضار الأخطاء والانحرافات على حقيقتها، وبيان أنها من حيث حجمها الحقيقي الذاتي تضاعف مفعول الممارسات المعادية بأساليب مختلفة
(٥) تسليط الأضواء على فجور استخدام الأسلحة الفتاكة بصورة استعراضية
(٦) تسليط الأضواء على نقل مقود القمع الهمجي إلى قيادة قوة خارجية
المقصود هو نشر أكبر قدر ممكن من الخوف مجددا بعد أن كسرت الثورة شوكته. وليس صحيحا القول إن “النظام استطاع الصمود وسيصمد”، بل “خسر وبات مضطرا للاستعانة الشاملة بقوة خارجية”. وليس صحيحا أنها “قوة خارجية كبرى ستبدل موازين مسار الثورة”، فالثورة كسرت الشوكة العسكرية الفاجرة لاستبداد أكبر وأشد فجورا وكانت إمكاناتها أقل بما لا يقاس من إمكاناتها الحالية، وستكسر شوكة القوة الإضافية الجديدة، فلا خيار أمام الثورة سوى النصر، وهو نصر ممكن التحقيق موضوعيا، ولا مكان في مسار صناعته للشك في القدرة على تحقيقه.
(٧) مقولة وجود استراتيجية جديدة على خلفية فتح جبهات عدوان جديدة
(٨) مقولة تحول مسار الثورة من ثورة ممكنة على استبداد محلي إلى مستحيلة على قوى خارجية
وليس هذا ولا ذاك صحيحا جملة ولا تفصيلا، فقد كانت الثورة من اللحظة الأولى، ثورة على استبداد محلي وهيمنة خارجية، وليست الاستراتيجية الجديدة مختلفة عن جميع ما سبق وسقط من استراتيجيات، ولن يختلف جوهر المواجهة في جبهة جديدة عنه في جبهة سابقة، وقد كان الاحتضان الإقليمي والدولي للاستبداد قائما منذ عقود، وكذلك طوال سنوات الثورة، فلم يتبدل شيء، وقد تزعزعت أركانه وبات انهياره النهائي حتميا رغم ذلك الاحتضان، فلا ينبغي السقوط في وهم يراد لنا السقوط فيه: “ظهور” الاحتضان علنا وبصورة استعراضية سيغير من مفعوله قبل ذلك، أي يبدل مسار الثورة نحو النصر في نهاية المطاف، قد يؤخره ولكن لن يغيره على أرض الواقع، مهما كان من حملات لتصوير العدوان الخارجي الهمجي الاستعراضي “منعطفا” في مسار المعارك نفسها.
ومن علامات اللحظة الراهنة الحاسمة سياسيا:
(٩) آخر درجات التوافق (التواطؤ!) بين موسكو وواشنطون
هذا الذي يدور الآن في الساحات السياسية عبارة عن “فصل” سياسي آخر، وليس هو محور “وجه سياسي جديد” للتعامل مع الثورة.
قرار التوافق قائم منذ فترة من قبل ما سمي جنيف ١، وبدأ الأن فصل آخر فيه فقط، أي بعد بذل أقصى الجهود السابقة لتأمين شروط تنفيذه بإخراج جديد، ولم يتحقق ذلك. ومجرد طول الانتظار يعني العجز عن تحقيق شيء من قبل.
(١٠) المناقشات اللانهائية داخل حلبات التفاوض ومن يريد أو يراد له الدخول فيها
مع كل التقدير للمخلصين ممن يسلكون طريق التفاوض، يبقى أن جوهر المساومة التي يواجهونها باستمرار هو:
إذا أضفتم من نريد إليكم (ليمثلنا.. وليس ليمثل الشعب) تحت عنوان توسعة هيئاتكم التفاوضية..
وإذا وافقتم على شروطنا كما وضعناها لكم..
وإذا تعهدتم علنا أو وراء الكواليس بما نطالبكم به لما بعد إسقاط “النظام”..
وإذا… وإذا..
فسوف تصبحون أنتم “العنوان” لاستلام سلاح تستخدمونه -كما نريد- للسيطرة على مسار الثورة الذي لم يستطع أحد حتى الآن أن ينتزع مقوده من صانعي الثورة وصانعي مسارها داخل الوطن.
ربما أدرك في هذه الأثناء ممثلو القرار السياسي في حلبات التفاوض من السوريين، أن الوعد لا يغني من الحق شيئا، وأنهم حتى لو استجابوا “صادقين” للمطلوب “دوليا” منهم، فلن يجد طريقه إلى صناعة مرتكزات له داخل الوطن ليمكن تمريره على حساب مسار الثورة، بقوتها الشعبية، أي بغض النظر حتى عما تحقق في معارك “تطويع الفصائل”.
إن قوة المفاوض، وقوة أي عمل سياسي باسم المعارضة أو تمثيل الثورة، أو عبر حكومة ما، أو من خلال مشاركة في مفاوضات، هي أولا وأخيرا قوة نسبية، تنمو بقدر ارتباطها بمسار الثورة الشعبية التغييرية، وتضعف بقدر تناقضها معها.
ومهما بلغت كثافة الضباب حول مشاهد اللحظة الراهنة، فإن هذه المعادلة هي المعادلة الوحيدة التي لم تتبدل ولم تتغير، لا زيادة ولا نقصانا، من لحظة اندلاع الثورة، إلى لحظة المنعطف الراهن في مسارها.
وبقدر ما ندرك، أنه منعطف “خطير” لأنه قريب من لحظة الانتصار الأول بإسقاط بقايا العصابات المتسلطة مع من يدعمها سرا وعلنا، يمكن أن نتأهب بالشكل الصحيح للحظة التالية.. فالثورة لا تنتهي مع إسقاط العصابات، بل تنتقل إلى مرحلة أخرى، أهم علاماتها:
الحيلولة دون اختطاف مسارها..
ومتابعة طريقها للتحرر من أي شكل جديد لاستبداد محلي أو هيمنة أجنبية..
والشروع في إعادة البناء.
وكل من هذه الأهداف الجليلة الجسيمة الكبرى يؤكد حقيقة الثورة ومسارها، وحقيقة أنها تاريخية تغييرية بما يتجاوز مفعوله حدود سورية الوطن.. وحدود سورية الشعب.. وحدود سورية الحاضر ومشهده الآني.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث