عبد القادر عبد اللي /
عندما أعلن رئيس النظام السوري من منبر “مجلس التصفيق”، بأنه سيدفن الأحلام الأردوغانية في حلب، ويستعيد كل شبر من سورية، ولم تحاول روسيا أن ترقّعَ هذا الكلام المهترئ كما اعتادت لتصحيح شطحاته، توقع كثيرون بأن تطورات غير عادية ستحدث، حتى إن كثيراً من الرماديين بدأوا يغرِّدون بولائهم للنظام السوري، وأصيب المعارضون بنوبة جديدة من الإحباط.
قبل هذا الخطاب كانت روسيا قد دخلت إلى سورية عسكرياً، واستخدمت أحدث الأسلحة التقليدية المتوفرة لديها، ودخل مقاتلون يتبعون الإمام الفقيه يبلغون عشرات الآلاف، وشنوا حملتين واسعتين، واحدة شمال اللاذقية وأخرى جنوب حلب.
لم يكن خافياً أن العملية تهدف استراتيجياً إلى القضاء على كل من قال لا للنظام السوري داخل سورية، وذلك بالاستيلاء على الحدود التركية السورية كلها، وتقاسمها بين قوات سورية الديمقراطية التي باتت تعلن بشكل أوضح أنها قريبة من النظام السوري من جهة، والجيش الإيراني والروسي المسمى “الجيش العربي السوري” من جهة أخرى، وبهذا تُخنق المعارضة المسلحة، ويتم القضاء عليها.
حققت الحملةُ نجاحات مهمة في هاتين الساحتين، ولكن الرياحَ لم تسر كما اشتهى الربابنة الروس والإيرانيون. وقبل أن تمضي أيامُ على “خطاب الخيّلاء في مجلس التصفيق” استعادت المعارضة المسلحة ما كانت قد خسرته في تلك الحملة الروسية الإيرانية جنوبي حلب، وبدأ مقاتلو الساحل يستعيدون أنفاسهم.
صحيح أن المقاتل على الأرض هو صاحب الكلمة الفيصل، ولكن لا يُخفى بأن دعماً قوياً وصل إلى المقاتلين عبر تركيا، نتيجة عودة النظام السوري إلى التعنت. ولعل هذا الدعم هو رسالة جوابية من الحكومة التركية إلى النظام السوري إثر ما سُرب عن اتصالات سرية.
ما وصلت إليه الأمور على الأرض يثبت فشل ما جرى بعيداً عن التناول الإعلامي من اتصالات بين ممثلين عن الحكومة التركية وآخرين عن نظام الأسد في الجزائر من أجل إيجاد صيغة للوقوف في وجه حزب العمال الكردستاني.
في بدايات الثورة السورية، وحتى بعد مرور زمن طويل على انطلاقتها، حاولت تركيا كسب صالح مسلم ليكون ضد الأسد، وفشلت بكسبه حتى في فترة شهر العسل بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني. وإذا كان قد بدا اختيار مسلم هذا مختلفاً عن موقف حزب العمال الكردستاني في البداية، فقد تكشف فيما بعد أن الأمر ليس كذلك، لأن حزب العمال الكردستاني قد أنهى شهر العسل مع العدالة والتنمية الذي كان يُسمى “مرحلة الحل”، وعاد إلى الكفاح المسلح باسم “صقور حرية كردستان” بداية، ثم باسمه الصريح فيما بعد، وهجر العدالة والتنمية واختار النظام الإيراني أيضاً.
هناك حملة إعلانية “مدفوعة الأجر على الأغلب” لقوات سورية الديمقراطية، وعملية تحرير الرقة ما زالت في حدود هذه الحملة الإعلانية، فالهدف كما يبدو هو الشريط الحدودي بين تركيا وسورية، وليست عملية تحرير الرقة سوى المادة الدعائية الجذابة لهذه الحملة.
بمعنى آخر، الخطة باء للجيش الإيراني الروسي في حلب هي قطع الإمداد في الشمال السوري. وتشارك داعش بهذه الخطة أيضاً، فمازالت تشن أعنف هجماتها على ثوار مارع وإعزاز متجاهلة الحصار الذي أعلنت قوات سورية الديمقراطية أنها أحكمته على منبج.
لهذا السبب لا يمكن تجاهل حدث ضرب الطيران الروسي “لقوات سورية الجديدة” التي استغلت انشغال داعش بقتال المعارضة المسلحة والتي تسميها “أردوغانية” و”جيش سورية الديمقراطية” الذي أسمته أعرق المحطات التلفزيونية في العالم بمهنية تضاهيها مجلات الحائط المدرسية “الجيش الذي يضم في صفوفه عناصر كردية”، وبدأت قتالها ضد داعش في دير الزور. ولم تقل روسيا إنها أخطأت كما كانت تفعل الولايات المتحدة عند ضرب المدنيين في شمال سورية في عملية التهجير القسري والتطهير العرقي للقرى العربية. فهذه الضربة تشير إلى أن روسيا وإيران لا تريدان لداعش أن تنتهي حالياً، لأنه مازال لهذا التنظيم دورٌ بقتال المعارضة السورية “المرتدة” التي لن يتمكن الروس والإيرانيون من القضاء عليها نهائياً، وخاصة إذا تم القضاء على داعش.
ما أسماه رئيس النظام السوري “الأحلام الأردوغانية” التي يريد دفنها في حلب هي المعارضة السورية المسلحة التي تُضْعِفُ نظامه، وتُفْشِلُ بثباتها المخططات الإيرانية والروسية، ولكن هذه المعارضة في كل مرة تُثبت أنها قادرة على فعل شيء ما، وإفشال مخططات ما، وإن كانت هذه القدرة تتم بمساعدةٍ وتخطيطٍ من جهات أخرى أهمها تركيا. ودَفْنُ هذه المعارضة يبدو شبه مستحيل حالياً، وما يتم دفنه حقيقة هو حلب وإدلب وبقية المدن والبلدات السورية من خلال المجازر التي يرتكبها الطيران السوري والروسي.
بعد الهزائم المؤلمة التي مُني بها الجيش الإيراني ومساعدوهم الروس جنوب حلب، يعود السؤال المطروح دائماً وأبداً: “ما هي الحدود المسموح لمقاتلي المعارضة الوصول إليها؟”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث