وفاء نديم
الصحفي
الذبيح “جيمس فولي” كان رأس جبل الجليد فحسب. جنسيته الأمريكية وطريقة
القتل منحا موتَه الكثير من المهابة والصخب. تعازينا – المتأخرة – لعائلة فولي.
في
العام الماضي كان هناك 144 “جيمس فولي” سورياً -يستحقون حرارة تقديم
واجب العزاء أيضاً – يلتقون معه في المهنة، وإن تمايزت الكفاءة والدّربة، ويفترقون
عنه في موت هادئ لا يسمع به أحد.
عدد
قليل سمع بمقتل النّاشط الإعلامي محمد القاسم برصاص مسلّحين مجهولين في “معرة
النعمان” أيلول الماضي، وعدد أقل بمحاولة اغتيال الصحفي زكي الإدلبي في بنّش أودت
بنصف حياته (التقرير الشهري لرابطة الصحفيين السوريين).
الثابت
أن من لم يمت بسياط النظام مات بسكين داعش، والناجي من الفريقين ترصدته بنادق
وزنازين الحركات المسلّحة الأخرى في غير مكان من الأرض السورية.
ببلاغة،
الصحفي كائن غير مرحّب به في سوريا. أحياء”امباتوان” تسعون بالمئة من
مرتكبي هذه الجرائم طلقاء أحرار على ما تؤكّده “إليزابيث ويتشيل”
مستشارة لجنة حماية الصحفيين، وجرائم القتل التي “يذهب ضحيتها صحفيون يسعون
لإيصال المعلومات لمجتمعاتهم. ولأنهم يبقون أحراراً طلقاء، أعلنت الأمم المتحدة
يوم الثاني من نوفمبر من كل عام يوماً لإنهاء الإفلات من العقاب في العنف المرتكب
ضد الصحفيين، وتم اختيار هذا اليوم لتخليد ذكرى مجزرة “امباتوان” التي
شهدتها الفلبين في عام 2009 وفيها قُتل 58 شخصاً، بينهم 32 صحفياً، ولم يتم محاسبة
أي أحد من القتلة حتى الآن.
“بنش”
نموذجاً، الصحفيون القتلى في سوريا اُستهدفوا في انتقام مباشر منهم بسبب عملهم!.
وكان أغلبهم من الصحفيين المحليين، إذ يكاد يكون معظمهم “مرتدين”عند
داعش أو “معارضين” يوهنون نفسية الأمة عند النظام، أو “خونة
ومرتزقة” عند باقي الفصائل. ففي بنش (شمال) صور مجموعة من الإعلاميين فيديو
عن الآثار التي خلفها صاروخ أطلقه النظام على المدينة- بنش- فكافأتهم حركة أحرار
الشام بمداهمة مقرّهم وضربهم، وزادت سخاءها عليهم فمنعتهم من العمل نهائياً، وأحرار
الشام ليست “الصديق الحميم” الوحيد للإعلاميين السوريين، فثمة داعش
الأكثر وداً، فقد عبرت عن فرط حبها لهم بأن ألزمتهم بأحد عشر شرطاً -قاعدة
للصحفيين في مدينة دير الزور(شرق) السورية “لا تقبل النقاش” منها مبايعة
الخليفة أبي بكر البغدادي، ومنها أيضاً عدم نشر أي شيء قبل موافقة المكتب الإعلامي
للتنظيم، أما الصور والفيديوهات فيمنع منعاً باتاً “الاقتراب والتصوير”
من أماكن تجمعات أفراد التنظيم، والذي يشذ عن القواعد يلقى مصير الناشط الإعلامي
عبد الله البوشي الذي صُلب، نعم صُلب لثلاثة أيام على الملأ لأنه صوّر مقر داعش في
حي طريق الباب في حلب (شمال) وفقاً لـ(مراسلون بلا حدود).
الشاهد
الحي عقيل حسين، صاحب الصورة التي ينهمر قربها وابل من قذائف، بينما كان ينجز في أحد
أحياء حلب تقريراً تلفزيونياً، ونجا.
عقيل
حسين يعتقد أن المخاطر التي يواجهها الصحفيون في الداخل السوري اليوم بلغت ذروتها
الحقيقية بالتزامن مع التصعيد الكبير على الأرض، والذي بلغ هو الآخر ذروته أيضاً.
فالواقع
في سوريا اليوم بالنسبة للعمل الصحفي هو حقل ألغام بكل معنى الكلمة، وليس أمام
الصحفي للخروج منه آمناً أي وسيلة مساعدة سوى الحظ الجيد.
ويرى
عقيل أن مستويات الخطر التي تواجه الإعلامي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة
تصاعدت من خطر أولي هو الموت بسبب قذيفة أو رصاصة طائشة إلى مرحلة انعدام فرص
النجاة تقريباً، وبذلك تتجاوز المخاطر مرحلة كانت تعتبر غاية في الخطورة مع تصعيد
النظام عمليات القصف العشوائي الواسعة والتي بلغت ذروتها مع حملات البراميل والقصف
الجوي.
أما
اليوم ومع تحول الأرض السورية إلى ميدان حرب شاملة لكل قوة فيها من القوى
اتجاهاتها ورؤيتها وأهدافها ومزاجها، فإن فرصة الحماية الوحيدة التي كانت تتكفل
بها قوة من القوى لهذا الصحفي أو تلك المؤسسة الإعلامية أصبحت اليوم بلا معنى
حقيقي. إذ ليس هناك ثابت في ميزان القوى على الأرض، وكذلك ليس لدينا-يضيف عقيل-
موقع محصّن لا يتوقع أن يتعرّض للهجوم. باختصار يمكن أن تقتحم أي قوة مهما كانت
صغيرة أي منطقة أو موقع أو مبنى وتفعل بنزلائها ما تشاء خاصة إذا كان هؤلاء
النزلاء إعلاميين.
عقيل
حسين يختم حزنه بأن فترة الحرب الطويلة عزّزت – يتأسف – من واقع العداء للإعلام في
سوريا، وكلما توتر الوضع أكثر على الأرض، فقد الصحفي العامل في الداخل عاملاً آخر
من العوامل المساعدة له على العمل، وفكرة أنه عدو للجميع باتت هي المسيطرة بسبب
حالة التشظي الكبير في القوى.
جحر الأفعى
بعد
أكثر من ثلاث سنوات على الحرب الطاحنة في سوريا بين نظام أبى، واستكبر، وبين بنادق
متفرقة لمعارضة متفرقة أيضاً تحولت سوريا الى جحر أفعى للصحفيين. فمن يتعاطى الإعلام
بحرفية ومهنية غير مرضي عنه في المنطقة الخضراء- الخاضعة للنظام-وبالتالي يكون معرّضاً
لكل ما يخطر على بال، وأولئك الصحفيون، محترفون، ونشطاء إعلاميون، على اختلاف
تسمياتهم يتعرضون في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام الى جحود”ذوي
القربى” من كتائب لا تمت بصلة قربى الى داعش، فهذه تحمّل جنود الخليفة بقوائم
تضم أسماء الإعلاميين، ومَن والاهم من النشطاء الإعلاميين وأول ما تنكل بهم هم
هؤلاء، وقد مات بسمِّ هذه الأفعى منذ بداية الثورة في اذار 2011 وحتى نهاية ايلول
الماضي 255 إعلامياً (المركز السوري لحماية الحريات الصحفية) .
قبور مفتوحة
وعليه
لا عجب أن تعد سوريا من أخطر الدول في العالم بالنسبة “للمدافعين عن حقوق
الإنسان والصحفيين ” على ما أورد رئيس لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم
المتحدة حول سوريا “باولو بينيرو” في تقرير. فالحقوقيون السوريون
“تتم محاكمتهم في محاكم لا تراعي أبسط مبادئ العدالة” ويتم التضييق أيضاً
على النشطاء السلميين، وهؤلاء “يوضعون قيد الاعتقال التعسفي في السجون
السورية” وكذلك يتعرض نشطاء “حقوق الإنسان والصحفيين بشكل متزايد
لتهديدات ومخاطر من جهات غير حكومية متطرفة تفرض سيطرتها بشكل إرهابي على مناطق
عدة”.
انتهى
الاقتباس ولم ينتهِ قتلُ الزملاء، وستبقى القبور فاغرة فاها إلى أن يتفق الكبار
على نوع سكين تقطيع الكعكة.
الإفلات هرباً
في
أدبيات مركز الدوحة لحريّة الإعلام مقاربة لعبارة” الإفلات من العقاب”
فهي ” عدم التمكن، قانوناً أو فعلاً، من مساءلة مرتكبي الانتهاكات إن كان
برفع دعاوى جنائية أو مدنية أو إدارية أو تأديبية، نظراً إلى عدم خضوعهم لأي تحقيق
يسمح بتوجيه التهمة إليهم وبتوقيفهم ومحاكمتهم، والحكم عليهم، إن ثبتت التهمة
عليهم، بعقوبات مناسبة وبجبر الضرر الذي لحق بضحاياهم”.
تقصير”رسمي”
اليزابيث
ويتشيل منجزة تقرير”الطريق إلى العدالة: كسر طوق الإفلات من العقاب في جرائم
قتل الصحفيين” تجد أن “النزاعات والفساد والمؤسسات الضعيفة تعمل على
زيادة الإفلات من العقاب، لكن يظل نقص الإرادة السياسية هو العائق الأكبر أمام
تحقيق العدالة”.
التقرير
يدرس الأوضاع في البلدان التي اُستُهدف فيها الصحفيون بأعداد مثيرة للقلق، كما هي
الحال في سوريا. ويسلط الضوء على البلدان التي بدأ يظهر فيها تحسن، مثل كولومبيا
والبرازيل، والتحديات التي ما زالت تواجهها. لكن تبقى العلامة الفارقة أن الحكومات
لم تزل “مقصرة في اتخاذ إجراءات جدية للحد من “المعدلات المرتفعة للعنف
الذي يستهدف الصحفيين وإفلات مرتكبيه من العقاب”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث