محمود الوهب
انتهت الانتخابات التونسية، وكان الكثيرون قد حبسوا أنفاسهم بانتظار نتائجها، لا هؤلاء الذين في الداخل التونسي من الخائضين فيها، أو من الشعب التونسي الذي هرم في انتظار الديمقراطية، ولمَّا تأته بثمارها الطيبة بعد، بل إنَّ معظم العرب العاملين في الشأن السياسي ومتابعيه قد انتظروا مع المنتظرين وأيديهم على قلوبهم، ومن هؤلاء، بالطبع، وربما قبلهم أيضاً، أجيال الشباب الذين خاضوا تجربتهم السياسية الأولى في البلدان العربية التي هبَّت عليها نسائم الربيع، فنالوا ما نالوه بسببها، أو ما بما خلفته تلك النسائم من مآس، وما جرته على بلادهم من ويلات.
هؤلاء جميعهم تطلّعوا بكلِّ ما في نفوسهم من مشاعر وما في عقولهم من حكمة وتبصُّر إلى تلك النتائج. وكانت رغبتهم العارمة أن يروا، ولو تجربة واحدة، تثبت صحة رؤاهم، حتى وإن لم يقل الزمن ولا الواقع رأيهما، فعسى أن يتحقق ولو جزء من أحلامهم رغم معرفتهم المؤكدة بأن جذور الاستبداد عميقة في الأنظمة التي ثاروا عليها.
ولكن، ورغم التجربة الليبية المريرة والسورية الأشد مرارة، لم تخب آمال الشباب. فثقتهم بقراءة عصرهم صحيحة، وهكذا جاءت الانتخابات التونسية لتشد بكلمتها الحاسمة من عزيمة هؤلاء الشباب، ولتشير إلى ما يلي:
أولاً:
إن الديمقراطية هي أكبر من أيِّ نظامٍ ديكتاتوريٍّ في العالم، وأقوى من أي حاكم مستبد، والغلبة في النهاية لها، فهي من الشعب وإلى الشعب، بينما المستبد من ذاته ولذاته. وهي لا بد منتصرة في واقعنا المعاصر دون النظر إلى مستوى تطور هذا البلد أو ذاك.. ففي الديمقراطية معيار هو الأكثر دقة لحساسية الشعوب تجاه ساستها، وهي التي تضع شعارات القوى والأحزاب مهما كان بريقها جذاباً على محك الواقع، وفي أتون التجربة، وهي في النتيجة أي وقت الحصاد هي التي تفصل قمح السياسي عن زؤانه!
ثانياً:
إن الإخوان المسلمين والإسلاميين عموماً ليسوا بعبعاً! ولا غولاً يأكل الناس والدول والأحزاب. فحين يكون القبول بمبدأ التعددية وتداول السلطة عبر صندوق الانتخابات فستنزع الحصانة عن أي حزب سياسي مهما كانت مرجعيته الفكرية، أرضية كانت أم سماوية، فلا دور هنا لتقديس الإيديولوجيا.
الدور الرئيسي هنا لمن يكسب قلوب الناس وعقولهم بعمله اليومي الذي يتراكم في ذاكرتهم عبر ما يقدّمه لحياتهم المادية والروحية. فالناس لا تأكل آيات ولا أحاديث، ولا تسكر من الشعارات، بل طعامها خبز وماء وكهرباء وصحة وتعليم وثقافة وحرية. وأن معيار النظر إلى الأحزاب هو في سيرها مسار الشعب وفي ركابه، وسواء احتمت تلك الأحزاب بما أنزله الله، أو بما أتى به الفلاسفة والمفكرون والمصلحون، وبعبارة أوضح وأدق:
إن حزب الإخوان المسلمين والإسلاميين عموماً ليسوا جميعاً كما تروّج لهم الأحزاب التي تزعم العلمانية وتدّعي اليسارية، رغم فقدها مصداقيتها لدى شعوبها، وصارت إلى حال من الضعف يدفعها إلى مواقع أكثر خوفاً وتراجعاً أمام الشعب ومطالبه وإلى التمسك أكثر بالدكتاتورية والاستبداد كما حصل في سوريا، إذا قال أحد زعامة تلك الأحزاب رداً على من أدان أسلوب القتل الذي تمارسه السلطة:
“الفاشية أرحم من الإخوان المسلمين” (في إشارة منه إلى دعم اتجاهات القمع الوحشية)، وكأنما ماركس أقام فلسفته على أساس نكران الأديان لا على أسس اقتصادية واجتماعية! كذلك لم يخطر ببال هذا اليساري أنه يمكن إقامة نظام مدني يتيح للفئات الفقيرة أن تطالب بحقوقها بعيداً عن هذين التيارين!
ولا يفهم أنني أدافع عن الإخوان أو سواهم، فما يهم في هذا المجال هو القبول بالديمقراطية وبنتائجها وبمبدأ تداول السلطة، وهذا هو الدليل الوحيد على الإيمان بالجماهير التي يتنطع السياسيون لخدمتها. لا كما يزعم بعض اليساريين ومدّعي العلمانية.
وتحضرني هنا مسيرة الانتخابات السورية، أيام كان لسوريا انتخابات، أي في عصرها الذهبي أيام حكم الكتلة الوطنية التي قادت نضال الشعب ضد الاستعمار الفرنسي، وأسست دولة مدنية انتزعتها من بين أنياب العسكر الذين عادوا إليها ثانية بانقلاب عسكري متهمين إياها بـ (بقايا الإقطاع العفن والبرجوازية الرجعية عميلة الاستعمار)، في تلك المرحلة لم يكن ثمة صوت للإخوان، وكل ما حققه الإخوان في تلك المرحلة نائب واحد في انتخابات الجمعية التأسيسية عام 1949 هو مرشدهم آنذاك “مصطفى السباعي” الشخصية المعتدلة، ولم يشاركوا في أهم الانتخابات التي جرت عام 1954 بسبب خلافات ناشئة داخل حزبهم.
ثالثاً:
إنه على الأحزاب اليسارية والعلمانية مراجعة ذاتها وأفكارها ومواقفها من قضايا بلادها الوطنية، ومن النظر إلى أن الديمقراطية في هذه المرحلة هي معيار الوطنية الحقة، وأن تلبية صرخات أبناء الشعب هي روح القضية الوطنية، فكفى هذه الأحزاب تحليقاً في فضاءات الأوهام ألا ترى إلى انقساماتها؟ فلا بد لها من عودة إلى جوهر النظرية، إلى قراءتها في ضوء معطيات العلم الحديثة، وفي ضوء استمرار نمو البلدان الرأسمالية وخراب الاتحاد السوفياتي وسير فلوله في ركاب العالم الذي مازال يثبت جدارة وتفوقاً، ولابد لها من إدراك أن العدالة الاجتماعية والديمقراطية الواسعة صنوان لا يفترقان! ثم ألا ترى إلى ضعفها وانفضاض الناس عنها؟ ألا ترى إلى قياداتها الغارقة في الرفاه والفساد الذي تتغاضى عنه أو لا تعطيه الأولية.
أخيراً يمكنني القول:
إن الانتخابات التونسية قد قالت كلمتها في الربيع العربي الذي أتى على غير مثال في كلِّ بلدٍ من البلاد التي هبّت عليها نسائمه، وهذا هو منطق العلم والحياة، وهو وإن كان لا يزال يتعثر هنا أو هناك، فليس بسبب عيب أو نقص فيه، بل بسبب الاستبداد نقيضه الذي لا يقيم للأوطان ولا للشعوب وزناً ولا احتراماً، وهو في سبيل مصالحه مستعد لإفناء الوطن بما ومن فيه!!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث