الرئيسية / تحقيقات / هزيمة الخوف.. إحدى أهم نتائج ثورة السوريين

هزيمة الخوف.. إحدى أهم نتائج ثورة السوريين

محمد إقبال بلّو
نقص المواد الغذائية والطبية أو نقص مواد التدفئة أو حالات متكررة من نقص المياه في مناطق عدة في سوريا، لم يعد موضوعاً شيّقاً أو متابعاً. فكل ما سبق ذكره أمور يحدث أن يعاني منها الأهالي في المناطق المنكوبة، أو التي تعيش حرباً طويلة الأمد، لكن الطريف الذي يحدث مع الشعب السوري، ولأول مرة في تاريخ الحروب البشرية الكثيرة، والتي فرضت تأثيراتها على الكثير من المجتمعات، نسمع عن معاناة شعب كامل من نقص في هرمون الأدرينالين.
ليست حكاية طريفة أو نكتة، بل هي واحدة من المشاكل التي يمرُّ بها السوريون، خاصة أولئك الذين صمدوا في الداخل السوري حتى اليوم، دون أن يفكروا بالهجرة إلى أماكن آمنة، خارج الحدود أو داخلها، إذ اعتاد هؤلاء على ظروف الحرب كما اعتادوا على سماع أصوات القصف ورؤية الجثث والأشلاء بعده، حتى أنهم على استعداد نفسي للموت في معظم الحالات.
عندما بدأت مروحيات النظام السوري تقصف بالرشاشات الثقيلة بعض المناطق السورية التي خرجت عن سيطرة نظام بشار الأسد، كان مدفع الحوامة من عيار 23 مصدر رعب كبير للجميع، بل إن بعضاً منهم اجتمعوا في الأقبية القريبة خوفاً من هذا المدفع الرشاش. كثير منهم نزحوا من تلك المناطق إلى مناطق أخرى هرباً من حالة جديدة لم يتوقّعوا حدوثها.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على تلك الحال، أصبح قصف البراميل أو الصواريخ الفراغية أمراً مألوفاً يتكرر كل يوم، وأصبح تشييع الشهداء روتيناً يومياً لا بد منه. واختلف مفهوم الخوف لدى معظم السوريين، وانقلب الخوف من فقدان الحياة إلى خوف من استمرارها تحت وطأة الذل والتنكيل.
أم أحمد، سيدة من ريف حلب الشمالي، تقول لـ “صدى الشام”، إنها لا تشعر بالخوف من القصف، رغم أنها تهيئ نفسها للموت عند اشتداده بما تراه، وتعتقد به من طرائق لذلك، تقول أم أحمد: “لا شيء يخيفني أبداً فأقصى ما قد يحدث هو أن أموت بصاروخ أو قذيفة، مثلما مات مئات آلاف السوريين.. أعتقد أن الموت هو قمة العدالة الإلهية، فكل إنسان يموت مرة واحدة، ولن تستطيع أعتى القوى البشرية أن تميته مرتين”.
وتضيف أم أحمد، “في بداية الثورة السورية ولدى بدء النظام باستخدام الرصاص الحي ضد المدنيين العزل، غنى سميح شقير “ضربونا يما بالرصاص الحي” وما أروع ذلك الرصاص!، فإما أن تصيبك الطلقة، وتموت أو لا تصيبك، أما اليوم فإن البراميل تسقط لتدمّرَ أحياءً كاملةً كما تفعل صواريخ السكود أو الصواريخ الفراغية التي تطلقها طائرات الوطن التي يقودها حماة الديار”.
تتحدث أم أحمد عن خطوات تقوم بها لدى بدء القصف فتقول: “عندما تأتي الطائرة أتوضأ، وألبس لباس الخروج إلى الشارع، أو ما بدأنا نطلق عليه اللباس الميداني الكامل، وأقف على “قرص الدرج” فهو أفضل مكان في هذه الحالة، حتى تنتهي الغارة لأعود إلى متابعة شؤون منزلي وأسرتي، وفي كل مرة أنطق بالشهادة، وأستعد للموت دون أي خوف، وممَّ أخاف؟ هل أخاف من شيء جربه مئات الآلاف من السوريين مئات منهم ممن أعرفهم؟!!”.
أبو اليمان، رجل تجاوز الخامسة والأربعين من العمر، من إحدى بلدات ريف حلب الشمالي أيضاً، اتصلنا به لنسأله عن الأوضاع في المدينة هاتفياً فقال حرفياً: “الوضع رائع؛ ففوقنا تعمل المروحة، وفوق المروحة تحوم  مروحية، يعني شوب ما في، ومشان الشتاء هلأ المروحية بترميلنا براميل، بلكي بيطلع بشي واحد شوية مازوت”!.
ويضيف أبو اليمان، “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. فمنذ ثلاث سنوات، ونحن نعيش هنا تحت القصف، ولم نمت، لذا فالأمور جيدة.. وهل من إنجاز أكبر من أننا مازلنا على قيد الحياة”؟!.
ولدى سؤالنا لأبي اليمان حول نيته بالخروج من بلدته، يؤكد لنا أنه لا يفكر بالموضوع نهائياً، ويقول: “لن نخرج من هنا، فلو أردنا النزوح لنزحنا منذ زمن بعيد عندما كنا نموت من الرعب لدى وصول طائرات القائد الملهم، أما اليوم، وبعد أن أصبح القصف من تفاصيل حياتنا اليومية، فلمَ النّزوح؟ وقد اعتدنا ذلك، أعتقد أن الحياة مملّة دون قصف، حتى الأطفال الذين كانوا يختبئون لدى سماعهم صوت الطائرة أصبحوا يتقافزون، ويركضون خارج المنزل لمشاهدتها، كيف تقصف ويراقبون مكان سقوط البرميل، بل إن ابني ذا العشر سنوات يطالبني بالسماح له أن ينضم للجيش السوري الحر فهو حسب قوله .. رجلاً، ليس جباناً”.
أم خالد مدرّسة في إحدى المدارس الإعدادية ترفض الخروج من بلدتها “ومن سيعلم الأولاد إن نزحنا نحن” هذا ما بدأت به حديثها عندما سألناها عن الخوف الذي تعاني منه حسب توقعنا، وعن سبب بقائها وعدم اللجوء إلى دولة قريبة، أو مكان آمن آخر غير البلدة التي دمّر أكثر من ثلثها.
أم خالد قالت بحدّة: “أنا لا أخاف سوى من الله، ولم أخفْ، فالموت قد يأتي في أيّ زمان، وأيّ مكان آخر؟ وليس للقصف علاقة بالموت إنما هو واحد من الأسباب، ثلاثة أعوام اعتدتُ فيها على أصوات القصف ومشاهدة نتائجه، بل أصبحتُ خبيرة في ذلك، فلدى سماعي للصوت فقط أعرف أنها قذيفة مدفعية أو برميل أو صاروخ فراغي، بل صارت إحدى تسالي سهراتنا المظلمة في ظل انقطاع الكهرباء هذه اللعبة الترفيهية، ومن سينجح في معرفة الصوت وعن أي سلاح أسدي ممانع قد صدر”.
أم خالد قالت ساخرة “صار عنا نقص بهرمون الأدرينالين، يمكن ما بقي أبداً تعودنا.. وعلى فكرة نسهر ونضحك، ونمزح، ونأكل، ونشرب، ليكون مفكرين انو نحن هون دائماً عمنرتجف من الخوف!!”.
لكنها اعترفت لنا في النهاية أن حالة من الرعب تصيبها هي وكل رجال ونساء البلدة عندما تنتشر إشاعة ما حول تقدم للنظام باتجاه ريف حلب الشمالي، وخاصة في الأيام الأخيرة التي تقدّمت فيها قوات النظام باتجاه حندرات وسيفات والملاح، إن حدثاً كهذا يسبب الرُّعب للجميع، ويخشون حدوثه، لذا نرى استماتة مقاتلي الجيش السوري الحر في معاركة كهذه واختلاف أدائهم وازدياد مستوى شجاعتهم وإصرارهم في حالات كهذه، بل صرّح كثير منهم أن النظام قد يتقدم، ويستعيد سيطرته على بلدات الشمال بعد أن يموتوا جميعاً.
السرُّ في ذلك أخبرتنا عنه أم خالد تلك المدرّسة الوفية لمهنتها والتي تقوم بها دون الحصول على أيِّ أجر بعد أن حرمها النظام من راتبها الشهري منذ أكثر من سنة، تقول أم خالد: “كلنا نخشى عودة النظام، فالموت أهون علينا من انتهاك الأعراض، وجميع النساء هنا يفضلن الموت بصاروخ أو قذيفة قبل حدوث ذلك، كما يرى الرجال أيضاً أن هذا هو ما لن يسمحوا به حتى ولو ماتوا جميعاً، وهم صادقون في ذلك. فعدو كالذي نواجهه أخطر وأقسى من كل أنواع الأسلحة في العالم، لأنه خال من المشاعر والأحاسيس، وفارغ من القيم البشرية، هؤلاء وحوش، وليسوا آدميين”.
رغم مرور السنوات إلا أن أهالي الشمال السوري مازالوا يرددون “الموت ولا المذلة” ويعملون، ويناضلون وفق هذا المبدأ، بعد أن أصبح الأطفال أكثر شجاعة من الكبار، وبعد أن أصبحت القوة ليست بمدى امتلاك السلاح وإنما بالقدرة على الاستمرار، والرغبة بالتحدي وكسب الرهان.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *