أحمد العربي
تعدُّ الأحداث التي تشهدها
الساحة السورية اليوم، وبخاصة ما يتعلق منها بالفصائل المسلحة على اختلاف توجهاتها،
منعطفاً خطيراً في مسار الثورة، وتهديداً جدياً قد يفقد هذه الثورة التي راح ضحيتها
مئات الآلاف من السوريين، ودمرت لأجلها محافظات سورية عدة، طبيعتها كثورة وطنية ضد
الاستبداد، ويحوّلها إلى حرب أهلية بفصائل مرتزقة تتبع مصالح الدول الداعمة.
إن هذه المقدّمة المتشائمة تعكس
اليوم مخاوف وهواجس كل سوري مؤمن بالثورة وبأهدافها، وضحى من أجلها – ولم يبق سوري
لم يخسر في سبيل هذه الثورة- فعندما نترقب سلوك بعض الفصائل المسلحة التي تدّعي
تمثيل الثورة، والذي أقل ما يوصف بأنه أرعن وغير مسؤول بشكل قد يودي بكلِّ تضحيات
السوريين أدراج الرياح، فالمتابع اليوم لصراع الجبهتين جبهة النصرة وجبهة ثوار
سوريا، يصدم بمدى سذاجة جبهة ثوار سوريا واستهتارها، وهي من أكبر القوة في شمال
سوريا.
وهنا نسأل لماذا انتظرت
جبهة ثوار سوريا كل هذا الوقت منذ تشكلها حتى تحارب النصرة؟ ولماذا تركت النصرة
تدخل المناطق التي تسيطر عليها هي وغيرها من الفصائل السورية حتى باتت النصرة
اليوم تعد من أقوى الفصائل على الساحة السورية ؟
والجواب واضح لجميع السوريين، نزعة السلطة
والقيادة لدى بعض متزعّمي الكتائب، دفعهم للاستقلال عن الكيان العسكري الشرعي
الوحيد في الثورة السورية، وهو الجيش الحر، مما أدّى إلى إضعافه بل وإنهائه
تقريباً، ثم سيطر كل فصيل على بقعة من الأرض اكتفى بها، ودخل في شبه هدنة غير
معلنة مع النظام، فلا يمتد لمناطق أخرى، ولا يتحرّك من بقعته لنصرة باقي المناطق
والمدن.
وهذا ما فتح المجال للنصرة،
ومن بعدها داعش بالتمدد في مساحة جغرافية أكبر من باقي الفصائل واستقطاب عدد أكبر
من الشباب السوريين الذين لم يرضهم الوضع الاستعراضي للفصائل السورية، فوجدوا
ضالتهم في داعش والنصرة التي تمثل اليوم القوى الفاعلة على الأرض، وهذا يفسر
انشقاق لواء عن جبهة ثوار سوريا وانضمامه للنصرة، ثم أن انعدام الخبرة العسكرية
لقادة تلك الكتائب أدى إلى غياب التخطيط والرؤية الاستراتيجية للصراع. فاليوم جبهة
النصرة بضربة استباقية تحاول إضعاف ما سمّاه الغرب بالمعارضة المعتدلة، وتفريغ
منطقة عازلة لها تتموضع فيها في انتظار قادم الأيام. وكذلك داعش تهاجم كوباني في
ضربة استباقية، كون الفصائل الكردية هي المعتمد المحتمل من الأمريكان لحرب داعش،
وتشاغل العالم بقضية كوباني في حين هي تتمدد في بادية حمص والعراق، فأين رؤية
الكتائب المعتدلة السورية للمستقبل، وما الذي أعدته لحرب داعش والنظام؟ لا شيء.
لم نر منها أيَّ تغيير أو تحرُّك باتجاه التوحد
وتشكيل كيان وطني قادر على قيادة المرحلة الدقيقة التي تمر بها الثورة السورية، بل
الأكثر من ذلك باتت تتراجع وهي مهدّدة بخسارة مناطق سيطرتها الحالية، تحت وطأة
ضربات النظام والنصرة وداعش.
وهنا نسأل السؤال الأخطر:
ماذا سيحصل لو توحدت النصرة وداعش؟ وهذا احتمال بات شبه مؤكد، كون الطرفين ما يجمعهما
أكثر مما يفرقهما، خصوصاً أن الطرفين اليوم تحت تهديد التحالف العربي الغربي. هل خَطَرَ
هذا السؤالُ على بال قادة الكتائب السورية؟ وهل تخيلوا حجم القوة والمساحة
الجغرافية التي ستنشأ عن مثل هذا التوحد؟ وهل سيكونون قادرين على مواجهته؟
بالوضع الحالي نقول: إنْ حدث هذا التوحُّد فعلى
الثورة السورية السلام، وسيبتلع الكيان الجديد كل الفصائل السورية والمناطق التي
تسيطر عليها. وليس ما تبقّى من الجيش الحر بأفضل حال من الكتائب الباقية، فهاهو
العقيد عبد الجبار العكيدي يطل علينا بعد طول غياب، بمئتي مقاتل لنصرة كوباني في إيعاز
واضح من جهات إقليمية، فلماذا لم يتوجه سيادة العقيد مع قواته لنصرة أبناء
الشعيطات في دير الزور عندما ذبحت داعش 700 منهم؟ ولماذا لا يعزز بقواته جبهة
حندرات التي يهدّدها النظام؟ أليست أهم للثورة من كوباني؟
ما يحدث اليوم هو مهزلة حقيقية من الفصائل المعارضة
السورية، عنوانها الاستهتار بدماء السوريين وتضحياتهم، ونسأل هنا: هل بقي بين هذه
البنادق ذات التوجهات والأسماء المختلفة بندقية وطنية شريفة يمكن للسوريين أن
يعقدوا عليها الأمل في مستقبل أفضل؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث