الرئيسية / رأي / السوريون يدفعون ثمن الخلاف السعودي التركي

السوريون يدفعون ثمن الخلاف السعودي التركي

عبد القادر عبد اللي 
مع انطلاق الثورة التونسية اشتركت الأنظمة العربية كلُّها باعتبار أن ما يجري مؤامرة إسرائيلية على الأنظمة الوطنية في الدول العربية. ولم تختلف المواقف الخليجية كثيراً عن هذا الأمر باستثناء الموقف القطري، وإذا كانت تلك المواقف لم تظهر بشكل جلي تماماً فإن الثورة المصرية جلتها، وبات الموقف الخليجي وخاصة السعودي واضحاً من هذه الأحداث، ولكن هذا الموقف عاد إلى حالة اللِّبْس بعد انطلاق أحداث ليبيا إذ اتخذت موقفاً قوياً ضد طاغية طرابلس على عكس الموقف التركي الذي كان في البداية مهادناً بسبب الاستثمارات الضخمة التي لدى تركيا في ليبيا، ولكن سرعان ما واكبت تركيا الموقف الدولي العام، واتخذت موقفاً مناهضاً للقذافي، وبدت الدولتان التركية والسعودية متناغمتين في هذا الموضوع، وهكذا بدتا أيضاً في بداية الأحداث السورية حيث كانت الدولتان تعوِّلان على إصلاح داخلي، وتجريان اتصالات من تحت الطاولة وفوقها مع السلطة السورية من أجل تحقيق تلك الإصلاحات. 
لم يكن لتركيا دورٌ في اليمن، لذلك لم يظهر خلاف سعودي تركي بعد، إلى أن جاء السيسي، وأعلن حركة الإخوان المسلمين حركة إرهابية، هنا تبايَن الموقفان التركي والسعودي بشكل تام. 
انعكس التّبايُن التركي السعودي سلباً على علاقات المنطقة كلها، وبشكل خاص دخلت تركيا في مأزق كبير حيث أنها أكثر المتضررين من داعش لأن قوافل الشحن التركية توقفت تماماً بعد سيطرة هذا التنظيم على الطرق المؤدية من الشمال العراقي إلى الوسط والجنوب، ومنع هذه الشاحنات من المرور بقرار مما يُسمى دولة الخلافة، وانعكس هذا خسارةً اقتصاديةً ضخمةً لتركيا على صعيدَيْ حركة الشحن، وتوقف الاستثمارات في العراق إضافة إلى توقف الدعم الخليجي لتركيا التي تتحمل أكبر عبء من أعباء الأحداث في سوريا بحكم موقعها الجغرافي من جهة واعتبار إيران لها هدفاً رئيساً من كل ما يجري في سوريا. 
صحيح أن المسؤولين السعوديين لم يهاجموا تركيا بشكل علني حتى الآن، ولكن الصحافة السعودية والمُموَّلة سعودياً باتت تعتبر أن تعثر أيّ شاة حتى لو كانت تلك الشاة في مدينة قم مركز ملالي طهران هي مؤامرة يقوم بها (الإخوان المسلمون) الأتراك، وهي مؤامرة حاكوها في دهاليزهم المظلمة. 
وبات هناك انسجام تام بين هذه الصحافة والصحافة الإيرانية والتي يموِّلها ملالي طهران في الخارج، وقد تجاوز هذا الانسجام وحِدّة المواقف إلى تبادل نشر الأخبار واقتباس إحداها من الأخرى. 
بالطبع فإن هذا التباين في المواقف ينعكس على السوريين بالدرجة الأولى، فتركيا بحاجة دعم اقتصادي نتيجة الثمن الذي تدفعه مع انفجار القضية السورية حيث بلغت كلفة اللاجئين السوريين 4.5 مليار دولار بحسب آخر تصريح لأرضوغان، ثم جاءت قضية داعش لتزيد الطين بِلّة فأوقفت كثيراً من الموارد الاقتصادية التركية، ولعل هذه من الأسباب أدت إلى انخفاض قيمة الليرة التركية بنسبة كبيرة. والحرب الاقتصادية التي تشنها السعودية ودول الخليج ضد تركيا مرفقة بحرب حقيقية تحرضها إيران عملياً من خلال عودة صقور حزب العمال الكردستاني إلى النشاط العسكري في تركيا بعد توقف دام قرابة الثلاث سنوات. 
أرادت تركيا استغلال فرصة التحالف الدولي ضد داعش لتحقق شيئاً من التقدم على صعيد الوضع السوري الراكد، وبالتالي تخفيف العبء الكبير التي تتحمله في هذه القضية، ولكن أصوات الدول العربية المشاركة رمزياً في هذا التحالف كانت من أشد الممانعين للموقف التركي، وقد انسجمت مواقفها مع موقف النظام السوري ونظام الملالي في قم دون أي تحفظ. 
المعروف أنه في السياسة ليس ثمة مواقف ثابتة، وليس غريباً أن تتحول المواقف إلى اتجاه معاكس تماماً لضرورة المصالح، فهل تدفع المصالح السعودية والخليجية إلى التطبيع مع السلطة في سوريا؟ يبدو هذا الأمر الآن بعيداً جداً. ولكن ما يحول دون هذا الأمر هو فشل التحالف الدولي ضد داعش بتحقيق نجاح ملموس على الأرض، في هذه الحال فقط سيرضخ هذا التحالف لقبول الشروط التركية، ودخولها لاعباً رئيساً يحقق منطقة آمنة في الشمال السوري تكون خطوة عملية أولى على صعيد حل القضية السورية، وستكون الخطوات اللاحقة مرتبطة بمدى نجاح هذه الخطوة. 
بالطبع ليس ثمة سياسة ترتبط بعامل واحد، فالأوراق الاحتياطية التي تعدها طهران موجودة، ولدى إيران أوراق يمكن تحريكها في تركيا وإحداث تخريبات هائلة، وقد جرت عدة بروفات على هذه الأحداث، وهناك لاعبون عرب أقوياء جاهزون لدعم تلك الأوراق الإيرانية إعلامياً ومالياً.
متى ينظر السوريون إلى ما يدور عليهم؟ لا يبدو أن هذا ممكناً في المدى المنظور أيضاً، فهم أضعف من إمكانيتهم لعب أي دور فيما يدور، وهم –شاؤوا أم أبوا- مجرد مركب تتقاذفه أمواج الصراعات الإقليمية والدولية يدعون إلى الله أن يرسوا على برٍّ آمن. 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *