الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / الدرجات الخمس والحذاء

الدرجات الخمس والحذاء

في حذائه البسيط ثلاث فتحات، إن سألته عنها يقول: للتهوية، ويبتسم محركاً أصابع قدمه كي تشاركه التعبير، عمره خمسة عشر عاماً، ووجهه مازال يرسم براءة الطفولة التي تركها في حارته مركونة على خمس درجات كانت تفصل باب منزله عن الطريق في حي الشعار بحلب، أحمد أو حمودة، كلاهما يظللان فاصل الطفولة والرجولة في مناداته، في نزوحه البعيد.
 ليس ثمة درس من دروس الجغرافيا التي تركها خلفه، ولا هي رحلة سياحة تعريفية في نشاط مدرسي، هي محصلة آلام جعلته درساً في تعريف الوطن كمعنى وانتماء وحاضنة لا كتاريخ يحفظه لامتحان ينقله من صف إلى صف، هنا تاريخ نقله إلى قارعة الطريق من دولة إلى دولة، أو من لا دولة حيث قال: قرأت في كتبي إن الجيوش تحمي الوطن، وصمت قليلاً، ثم نظر إلى حذائه المهترئ، ثم قال، هذا الحذاء حملني كثيراً، فلقد مشينا طويلاً من مكان لآخر، ومن قرية إلى أخرى ومن كومة حجارة إلى بستان إلى… المهم أننا بخير.
ثلاثة إخوة لأحمد مع أمه، مشى معهم كرجل يمتلك ابتسامة الطمأنينة، ويوزّعها عليهم كي يعبروا ضفة التاريخ الغادر حين يدوّنه برميل متفجر في مساحة تمتد ما بين سور المدرسة ودرجات بيته الخمس، وتعطيه إذناً طويل المدى للغياب عن صفه، وعن حلمه وعن اسمه.
 هناك حين كان حمادة ببراءة الطفل الذي لم يكبر رويداً رويداً ليدخل سن المراهقة، بل إن حذاءه لا يليق بأحلام مراهق، ولا ببقايا طفولة، أصوات براميل متفجرة وقتل مجاني ورعب وهروب عناوين كافية ليغادر دفعة واحدة نحو رجولة مبكرة، لكن أية رجولة!. 
بضع ربطات خبز على يمينه، لا تزيد عن عشرين، يبيعها يومياً ويصبح حلمه أن يرتفع العدد إلى خمسين، ففي تركيا عليه أن يدفع أجرة منزل وفاتورة ماء وكهرباء وثمن شيء من الطعام لأسرته، عيناه تتنقلان على المارة مترقّباً زبونا ينحني ليمسك ربطة خبز كي يحصي النقود، حين كان والده حياً، كان يحصي مطمورته ربما لشراء لعبة أو ربما لشراء حلوى، لكن والده الذي استشهد قبل ثلاثة أشهر من نزوحهم برصاصة قناص جعله كائناً يشبه مطمورة الزمن الذي افتقد العدل، لم يعد يشغل بال أحمد سوى إيجاد عمل، لا يعي السياسة ولا يعي نشرات الأخبار، ولا انتصارات الجيوش، لم يتابع يوماً سوى برامج الطفولة وبعض الكوميديا، فالتراجيديا التي أحاطت بحياته لم تكن تستهويه، ولذا ابتسامته متوقدة حتى عندما يشرح آلام التشرد أو وجبة طعامهم البسيطة بحبات البندورة والملح أو الزيت والزعتر يصفها كما يصف فيلماً كرتونياً، هو مسرور أن أمه هذا الصباح وجدت عملاً في مطعم، هكذا سيأكل إخوتي أفضل، هم مساكين لا ذنب لهم.
 نسي أحمد أنه أيضاً مسكين، وتذكّر إخوته، ولكنه تذكّر أمه، وسأل: ترى هل يسمحون لها أن تأكل من المطعم؟ لا يهم فأمي لا تحب الأكل إلا معنا، هكذا تعودنا، قالها، وضحك، كذلك المدرسة فقد تمناها أيضاً لإخوته ولم يتمنَّ لنفسه سوى العمل، فالعمل بالنسبة له طعام ومأوى، أما أحلام المدرسة فقد ذهبت مع انفجار ذلك البرميل الذي شتت أيضاً ذكرياته، أو ربما لا يريد التذكر كي لا تظهر بين جفنيه صورة رفاقه أو تفاصيل بيته أو صوت أبيه، فالحياة هنا تشبه شكل الرماد حين يتبعثر، وحذاؤه يشبه شكل الحرب التي شردته، وتلك الفتحات في هذا الحذاء تظهر منها ملامح حقيقة مُرّة، أصابع قدم بلا جراب تسترق النظر على الطرقات، تمرُّ من أمامها أحذية لامعة فتختبئ منها، ثم بعد قليل تشعر بالحصار فتطل من جديد، لربما ينكفئ هدير الطائرات التي تركتها خلفها هذه الأصابع على تلك الدرجات الخمس لتمزق عار التاريخ عن ذلك النعل، وترحل حافية إلى ذاكرتها وإن بلا خبز في يد أحمد.
حافظ قرقوط

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *