نبيل شبيب /
ما أشد آلامنا في هذه الأيام من رمضان، وما أشد حياء كل فرد مؤمن لا يملك من خارج ساحات الألم أكثر من استشعاره عن بعد، والدعاء من أعماق القلب أن ينزل الله سكينته على قلوب ذوي الشهداء، والمعتقلين والمشردين والمعذبين، وأن يحفظ بعونه أهلنا المحاصرين، وهم يحسبون في كل لحظة حساب ألسنة اللهيب تطلقها الهمجية الأسدية وبراميلها المتفجرة، وأن يجمع القلوب قبل السواعد، والعقول قبل الأجساد على متابعة مسيرة ثورة التغيير حتى تستأصل آخر مجرم يمارس جرائمه بحق شعب سورية -وشعوب بلادنا الأخرى- ويعدّ لنفسه بنفسه مكانه في الدرك الأسفل من جهنم يوم يقال: هل امتلأت وتقول هل من مزيد.
إنسان آخر تصنعه الثورة في رمضان
يحل رمضان مجددا على ثورة شعب سورية الأبي، وهو أقوى مما كان عليه تصميما على متابعة طريق التحرر والتغيير..
يحل رمضان على شعبنا وهو يتعرض لأخبث المؤامرات المحلية والخارجية، لتمزيقه شعوبا وعصبية طائفية وفتنا حمراء، وتقطيع أوصال أرضه اقتتالا، وللحيلولة دونه ودون حياة عزيزة حرة كريمة عادلة آمنة..
ولقد تحرك الشعب الثائر قبيل أول رمضان من أعوام الثورة، وهو لا يملك عشر معشار ما يملكه أخطبوط الاستبداد وأعوانه، واستطاع الصمود، وتلقى ما تلقاه عاما بعد عام، وتخلى عنه الأصدقاء المراوغون “صديقا بعد صديق” -إلا من رحم ربي- واستطاع الصمود.
يعرف المؤمن الصادق مفعول الإيمان صلاة وصياما وقياما وذكرا..
ويعرف مفعول الإيمان أخلاقا حميدة وسلوكا قويما..
ويعرفه إنفاقا وسخاء وتضامنا وتعاونا وتواصلا..
وها هو شعب سورية الثورة يعرّفنا -إلى جانب هذا كله- بمفعول الإيمان تضحية وعطاء بلا حدود، وصبرا تعجز عنه الجبال، وصمودا وثباتا على الحق حتى يأذن الله بالنصر.
هي ثورة الإيمان تصهر الإنسان كما يصهر الحديد وتعيد صناعته إنسانا آخر، قادرا على صناعة التغيير، وصناعة الحياة، وصناعة الحاضر والمستقبل.
واجب التغيير
إن كل تعاون صادق اليوم بذرة للتعاون المفروض غدا..
وإن كل خطوة مدروسة اليوم ضمان لخطوات قويمة غدا..
وإن كل عطاء ممكن وكل لحظة صبر وكل دعم لثائر وكل نجدة لملهوف جميع ذلك لبنات يقوم بناء الغد عليها، ويتحقق الحفاظ على ثمرات النصر من خلالها..
ولكن من أجل أن يكون ذلك واقعا لا أحلاما وأمنيات، لا بد من التلاقي من وراء المسافات وتباعد الأمكنة ومن وراء الخلافات وتعدد الرؤى، على قواسم مشتركة بين جميع أهل سورية على الثوابت الثورية الوطنية اليوم، وأهداف العيش المشترك في الوطن الموحد غدا.
أُهدرت عبر عقود وعقود طاقات وإمكانات كبيرة على الانحراف بصناعة الإنسان والمجتمع، وكان لا بد أن تكون الطاقات والإمكانات التي تبذل في الثورة كبيرة والتضحيات جسيمة للتخلص من عواقب الانحرافات.
ولرمضان فضل كبير في إعادة صناعة الإنسان والمجتمع من جديد، فليس كمثل رمضان فترة زمنية توثق الارتباط بين المرء وأخيه، والمرء وجاره، والمرء وأهله الأقربين والأبعدين، فيتضاعف الإحساس بواجب الجود والإنفاق، والتلاحم والتضامن، والعطاء والبذل، واحتساب كل لحظة من العمر وكل لقمة يسدّ بها رمق فقير يتضوّر جوعا، والاستعداد لاقتسام القليل القليل لتحقيق هدف كبير كبير.. (والله لا يؤمن.. من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم).
إنما يشهد رمضان أيضا على وجود من لا تنفعه الذكرى التي تنفع المؤمنين، ولا يملك وجدانا يحفزه على مراعاة ظروف المحرومين والمحاصرين، ولا يحسب حساب موت مفاجئ يصيبه ووقفة بين يدي الله تعالى لا ينفع خلالها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
يوجد من لا يتورع عن ممارسة الفساد الذي جُبل عليه من عقود ما قبل الثورة، وعن استغلال احتياجات أهل بلده من أجل كسب مادي لن يحمله معه إلى قبر ينتظر حلول أجله بين لحظة وأخرى، ولا عن احتكار إجرامي يرفع الأسعار جشعا وطمعا، بل يوجد أيضا من لا يتورع عن مشاركة المجرم الأكبر، رئيس البراميل المتفجرة والميليشيات الهمجية، في إجرامه اليومي، حصارا منهكا للأبرياء حيث استطاع، وفتكا بالبشر في كل مكان جهارا نهارا، وقد غاب عنه قول الله تعالى {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصمّا مأواهم جهنم كلّما خبت زدناهم سعيرا}.
مسؤولية مضاعفة
كلمة قالها ابن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم: “لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني”.. لعلها في مقدمة ما نحتاج إليه عندما نتحدث عن طلب الهداية ورفض الضلالة، وعن الدروس والعبر، في رمضان وغير رمضان.
من أراد أن يكون مسلما يتميز بحسن الخلق والمعاملة.. لا بد أن يكون أيضا مسلما واعيا يقظا تجاه من يرتكب من الممارسات ما يكشف عن سوء خلقه ومعاملته..
إن المسلم الذي يمضي به إيمانه إلى صنع الخير ونشره بين البشر، هو عينه الذي يجب أن يمضي به إيمانه إلى مواجهة الشر وكف أذاه عن البشر..
وإن المؤمن الذي يأمر بالمعروف، هو عينه الذي ينهى عن المنكر..
وإن من يعبد الله بالصلاة والصيام والذكر يعبد الله بثورته على الطاغوت دفاعا عن أهله وأهل بلده..
في شهر رمضان من الدروس والعبر خلال هذه الثورة ما يعود بنا إلى حيث ينبغي أن نكون “جسدا واحدا..” وما يعود بنا أيضا إلى حيث ينبغي أن نكون “صفا واحدا كالبنيان المرصوص”.
وليست صياغة الرؤية البعيدة المدى ومشروع بناء المستقبل من مسؤولية أهلنا المدافعين بأنفسهم ليلا ونهارا عن حاضرنا ومستقبلنا في ميادين المواجهة، ولا من مسؤولية أهلنا المحاصرين الصابرين..
إن القادرين خارج نطاق المواجهة والحصار، على أداء هذه المهمة الجليلة، يرتكبون -إن تقاعسوا عن النهوض بمسؤوليتهم- إثما كبيرا، تجاه أنفسهم وأهلهم وبلدهم والأجيال القادمة.. وهيهات أن ينفعنا من دون ذلك في هذا الشهر الفضيل الاكتفاء بذكر لا يحيي القلوب والعقول ودعاء لا يقترن بالتخطيط والعمل.
شهر رمضان كان في حياة الجيل الأول شهر الصيام والصلاة وشهر الجهاد.. شهر الإنفاق والإحسان وشهر كف أذى الناس بغيبة ونميمة وافتراء وبهتانا..
ولئن خرجنا من رمضان هذا العام بما يعلمنا رمضان من دروس وما يكشفه لنا من عبر، فلنعلم أننا قطعنا بثورة شعبنا شوطا بعيدا على طريق صناعة الإنسان الذي يصنع المستقبل، يصنع مجتمعا قويا بالإيمان في القلوب.. وبالترابط والتعاضد والتعاون على أرض الواقع، قويا بعلمه في شؤون دينه.. وبوعيه كيف يبني صرح دنياه في ظلال دينه، قويا بأخلاقه في التعامل بالتراحم بين الجديرين بالتراحم.. وفي التعامل بثورة تقضي بلهيبها على من لا يرحم من في الأرض فلا يستحق رحمة من في السماء.
تقبل الله منا جميعا صالح العمل في ديننا ودنيانا، ولله عاقبة الأمور.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث