الرئيسية / رأي / ديمومة الصراع وخلود العروس

ديمومة الصراع وخلود العروس

عبد القادر عبد اللي /

لقد وُجدت “داعش” باعتبارها حاجة للأطراف المتصارعة في سورية. فقد أفادت النظام السوري بأنها أعادته إلى المجتمع الدولي، وأثبتت بمئات الأدلة، أنها إدارة أسوأ منه بمئات المرات. وأفادت الغرب، فتبرعت بأن تكون مشجباً يعلق عليه عدم جديته بمحاربة النظام السوري، وخذله للمعارضة السورية. وقدمت هدية ثمينة للولي الفقيه بمنحه الذريعة للقيام بأعمال تطهير عرقي في سورية والعراق.

منذ فترة بدأت “داعش” بالتراجع، والتخلي عن عشرات القرى والبلدات للنظام أو قوات سورية الديمقراطية، وكانت قد أخذت غالبية هذه القرى والبلدات من المعارضة الإسلامية المعتدلة أو الجيش الحر. ويكاد يكون شعار “باقية وتتمدد” قد اختفى من التداول، لأن الشعار بات مضحكاً، فالتقلص والانكماش الذي تعيشه “داعش” سريع إلى درجة أنه يختلف بين ساعة وأخرى.

عندما تَشَكَّلَ ما يسمى “التحالف الدولي لمحاربة داعش”، لم يكن على جدول أعمال هذا التحالف القضاء على “داعش”، وكان يستخدم عبارة “تحجيم داعش”. ولهذا كانت طائرات التحالف الدولي غالباً ما تضرب المدنيين، وتتجنب قوافل التنظيم التي كانت تنتقل بشكل شبه علني واستعراضي. وحتى إنها قصفت قرى، وهجَّرت سكانها نتيجة ما سُميَّ وقتئذ “الخطأ أو إعطاء إحداثيات خاطئة من قبل قوات حماية الشعب”، بالنتيجة، فإن التصريحات العلنية، ومجريات الأحداث على الأرض كانت ترفض القضاء على “داعش”.

ما الذي تغيّر الآن؟ ما الذي جعل شعار “باقية وتتمدد” يختفي من التداول، والبدء بطرح “القضاء على داعش” بدلاً من الاستراتيجية السابقة: “تحجيم داعش”؟

ليس هناك أي تغيير استراتيجي على الأرض يفرض هذا سوى بروز ما سمي قوات سورية الديمقراطية، ولعب حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) دوراً بارزاً بتشكيل هذه القوات، والتحالف بين حزب العمال الكردستاني والولايات المتحدة، على الرغم من بقاء اسم هذا الحزب على قوائم الإرهاب الأمريكية لضرورات بروتوكولية.

الحملات الدعائية التي تحمل تحريضاً قومياً، وتغدو المقولات النازية بالنسبة إليها رحمة، ليست من فراغ. إنه تحضير لمسرح عمليات جديد. يبدو أن عمليات القتل والتطهير العرقي التي قام بها تنظيم الدولة الإسلامية لم تكن كافية بالنسبة لأصحاب القرار، فيُعمل الآن على تحويل البوصلة نحو صراع آخر.

بالتوازي مع هذه الأحداث، بدأت ترتفع أصوات كردية مطالبة بما يُسمى “وقف إراقة الدماء” لإيقاف الصراع الدامي بين القوات الأمنية التركية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني. فصحيح أن هذه الحرب قد آلمت الدولة التركية، ولكن وضع العمال الكردستاني أيضاً لم يعد يساعد على الاستمرار أكثر. ولعل النزيف الذي نزفه في العام الأخير يساوي نزيف سنوات من أيام الحرب في المرحلة التي سبقت الهدنة مع الحكومة التركية.

ليس ثمة حرب في العالم مهما صغرت، يمكن أن تشتعل وفق المحركات الذاتية فقط. ولهذا لا يمكن أن يكون قرار عودة حزب العمال الكردستاني قبل عام ونيف من الآن، إلى العمليات المسلحة قراراً ذاتياً محضاً. وقد أعلن كثير من المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني، بأنهم وراء هذه العودة. ولكن مجريات الأحداث تشير إلى أن الإيرانيين وحدهم غير كافين لإعادة حزب العمال الكردستاني إلى العمليات العسكرية، وأن التحالف الجديد بين هذا الحزب والولايات المتحدة الأمريكية لعب دوراً بهذه العودة.

يبدو أن الهدف من إشعال الحرب بين الكرد والأتراك كان إضعاف الطرف التركي، ولكن على الرغم من تحقيق هذا الهدف، فإن الطرف الكردي أيضاً ضعف أكثر، وحتى يمكن القول إن عدد الضحايا من المقاتلين المدربين الذين فقدهم كبير إلى درجة إنهاك قوته، ولعل هذا ما جعله يعتمد على العمليات الانتحارية في المدن التركية الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول.

الأطراف التي ساهمت بإشعال الحرب بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية هي نفسها اليوم تمارس ضغوطها من أجل إيقاف هذه الحرب، فما الجديد؟ لا بد من أنها الحاجة للمقاتلين. فهناك عدد كبير من مقاتلي حزب العمال الكردستاني من التابعية التركية يقاتلون في صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي، وهناك حاجة للمزيد لأن الصراع في سورية أهم.

إذا كانت الحاجة لـ”داعش” قد زالت، أو بمعنى آخر، إذا قررت الدول العظمى التي كانت تحافظ على “داعش”، التخلي عنها، والقضاء عليها، فهذا يعني إما “قرب الحل في سورية”، أو “التحضير لصراع جديد”.

بما أن إنهاء الصراع في سورية ليس من مصلحة القوى الراعية، وخاصة إسرائيل محور السياسة العالمية، فإن الاحتمال الثاني هو المرجح. أي التحضير لصراع جديد.

لعل ما نضحك منه اليوم على تسميات مثل “مابوك”، ستكون دموعاً ودماً في المستقبل، دموعا ودماء كردية وعربية، فلا فرق بالنسبة لصاحب القرار. تغيير اسم “منبج” هو واحد من الإشارات على تلك الدموع والدماء، وهي يشير إلى قضية مهمة. لقد استبدل اسم منبج بمابوك، والتي يقال إنها تعني بالكردية “العروس الخالدة”. ألا تشير كلمة الخلود في هذه العبارة إلى شيء؟

من الممكن أن تكون الحاجة لـ”داعش” قد زالت، وسيُقضى على هذا التنظيم، أو يؤمر بأن يختفي، ويذوب. أو يبدأ المشهد الاستعراضي الذي نرى بداياته الآن، وهو خلع النقاب في المناطق التي تخرج من سيطرة “داعش”، أي تغيير الواجهة.

بالطبع سيكون هناك “داعش 2” بما أن الولايات المتحدة تتنبأ بها. ولكن الصراعَ سيأخذ بعداً آخرَ، ويعمل على أن يدوم، وستكون هناك كثير من الرسائل التي تُعلن بأنها خالدة…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *