الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / لا تُصلح الإجراءات ما أفسده التضخم

لا تُصلح الإجراءات ما أفسده التضخم

سقراط العلو - صدى الشام/

ما زال المواطن السوري في مناطق النظام يتحمل عبء تراجع قيمة الليرة، وما تبعها من ارتفاع جنوني في أسعار كافة المنتجات الغذائية والخدمية وغير ذلك. في الوقت الذي لم يعد فيه لدى الأغلبية العظمى ثقة بالتصريحات الحكومية وبمؤسسات التدخل “الإيجابي” التي تعلق حكومة النظام آمالها عليها لإحداث فرق في السوق.

ها هو الأسبوع الأول من رمضان ينقضي ولم تشهد الأسواق السورية إلا انخفاضاً طفيفاً في الأسعار، وبخاصة السلع الغذائية، رغم انخفاض سعر صرف الدولار بمعدل 30%، ورغم ما اتخذته وزارة التجارة التابعة للنظام من إجراءات، كتحديد نسب الأرباح للسلع المستوردة والمنتجة محلياً للمستوردين والمنتجين وحتى بائعي الجملة والمفرق، بهدف ضبط الأسعار ووضع حد لشططها، وخاصة مع الارتفاعات المتتالية بأسعار معظم السلع والمواد سواء المستوردة أو المنتجة محلياً، وإلزام معظم المستوردين والمنتجين بتقديم بيانات تكاليفهم الحقيقية خلال مدة أقصاها 15 يوماً، وعرضها على مديرية الأسعار لوضع التسعيرة الحقيقية للسلع، وذلك قبل طرحها في الأسواق المحلية.

ولكن كل ذلك لم يُجدِ نفعاً في الأسواق، كون حكومة النظام تحاول إنكار أزمتها الاقتصادية وإخفاءها خلف سعر الصرف والمضاربين والمؤامرة على الليرة، مهملة الأسباب الباقية والكامنة وراء التضخم الجامح الذي يشهده الاقتصاد السوري.

فالتضخم ظاهرة اقتصادية مركبة، متعددة الأسباب والأبعاد، ذات خلفية اجتماعية، ولها العديد من المظاهر والأشكال والآثار. ومن أسبابها، واحدة أو أكثر من الحالات الآتية:

  • ازدياد الطلب لسبب ما مقابل انخفاض العرض أياً كان السبب، فترتفع الأسعار.

وفي ظل الوضع السوري وحرب النظام على شعبه، فقد حدثت هذه الحالة نتيجة انخفاض الطلب وانخفاض العرض بآن معاً، إلا أن العرض انخفض بنسبة أكبر من نسبة انخفاض الطلب.

  • ارتفاع تكاليف الإنتاج لأي سبب كان.

وفي الوضع السوري، فالسبب الرئيس لازدياد تكاليف الإنتاج بدأ مع انخفاض قيمة الليرة وارتفاع أسعار المواد الأولية وتكاليف الحصول عليها، بالإضافة لارتفاع الأجور وتكاليف الطاقة والشحن.

  • الزيادة في الكتلة النقدية المتداولة بالمقارنة مع حجم الكتلة السلعية خلال فترة معينة.

والواقع في سورية يشير إلى أن الخلل في هذه المعادلة كان مُضاعفاً ومزدوجاً، حيث تقلصت الكتلة السلعية من جهة، وازدادت فيه الكتلة النقدية من الجهة الأخرى، عندما بدأت حكومة النظام بزيادة حجم الإصدار النقدي لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة منذ عام 2011، حيث سحبت وزارة المالية من البنك المركزي بحدود 3.5 تريليون ليرة إصدار من دون تغطية، وهذا الأمر ضغط على سعر الصرف وساهم بارتفاعه. كما تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي، حيث كان قبل الثورة 2791 ملياراً وأما اليوم فهو 1116 ملياراً ما يعني أنه بقي فقط 40% من ناتج عام 2010. وكذلك توقف التصدير وزيادة حجم الاستيراد، حيث تستورد سوريا اليوم ما قيمته 2.5 مليار دولار والتصدير متدن، ما أدى إلى انخفاض قيمة الليرة إلى سعر الصرف الذي نشهده الآن، وهو أقل بكثير من السعر الحقيقي.

التضخم ليس مجرد ارتفاع أسعار جزئي أو موسمي أو مؤقت أو محدود لبعض أنواع السلع والخدمات في هذا القطاع أو ذاك، بل إن التضخم كحالة أو كظاهرة، تكون متسمةً بارتفاع شامل ومستمر ومديد وتراكمي للأسعار.

وللتضخم أنواع عديدة يرتبط كل منها بجملة المتغيرات الاقتصادية وغير الاقتصادية السائدة، منها (التضخم المكبوت) أو (الكامن) الذي يَستتر بالبطاقات التموينية وبالأسعار المخفضة للسلع المدعومة، وما دام الدعم الحكومي قائماً لا تكون لهذا النوع من التضخم آثار اجتماعية سلبية، إلا أنه وفور البدء بسحب هذا الدعم، لا يلبث أن يتحول إلى (تضخم صريح). وتتراوح حدة التضخم بين (المرغوب) الذي تكون نسبته بحدود 2%، و(التضخم الزاحف) المستمر المعتدل المتدرج بطيء التصاعد. وقد مرت سوريا بهذا النوع من التضخم في السنوات التي سبقت عام 2011، وبمعدل أعلى من المعدل العالمي بقليل، نتيجة السياسات الاقتصادية التي كانت منتهجة آنذاك، وارتفاع أسعار المواد المستوردة عالمياً.

حيث ارتفعت الأسعار بين عامي 2000 و2010 بمعدل وسطي قدرهُ 50%، وذلك بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي، وسوء تطبيقها لانعدام الخبرة وعدم وجود قاعدة اقتصادية محلية وطنية صلبة، تستطيع استيعاب مثل هذه السياسات وتذويبها في بوتقتها، بحيث لا تؤثر بشكل ملحوظ على الأسعار وعلى نشاط السوق المحلية وتصريف منتجاتها، فتحافظ على مستوى معيشة المواطنين وقدرته على شراء السلع المستوردة أيضاً.

بعد الانفتاح الاقتصادي، بدأ الخط البياني للاقتصاد السوري بالانحدار البطيء. ثم جاءت اتفاقية التجارة الحرة مع الحكومة التركية عام 2004، والتي دخلت حيز التنفيذ 2007. يومها وصفها مسؤولون اقتصاديون بالزواج الكاثوليكي، لكنهم نفسهم عادوا ليتحدثوا عنها بأنها كانت مجحفة بحق الاقتصاد السوري. سببت هذه الاتفاقية خسائر كبيرة للمشاريع التجارية المتوسطة والصغيرة، كالمعامل وورشات صناعة الألبسة والأثاث المنزلي، التي كانت تعيل الكثير من الأسر، بالإضافة إلى الحصص السوقية الكبيرة التي كانت تشغلها.

ترافق ذلك مع رفع الدعم التدريجي والبطيء لهذه المشاريع وبخطط عشوائية مثيرة للتساؤل، انعكس ذلك سلباً على الحالة الاقتصادية المستقرة التي كان ينعم بها السوريون، حيث كان بإمكان المواطن السوري تأمين لقمة عيشه بفجوة ضئيلة بين مستوى دخله وانفاقه، ويمكنه تأمين مستوى دراسي وتنموي لأبنائه يتدرج بين المناطق السورية.

بحسب أحدث الدراسات ومقارنة بعام 2010، ارتفعت أسعار الخضار لعام 2016 بنسبة 1690%، وارتفعت أسعار الفواكه بنسبة 1310%، كما ارتفعت الألبان والأجبان بنسبة 1180%، أما أسعار اللحوم فقد ارتفعت بنسبة 1100%

الإجراءات الاقتصادية تلك، ثم الحرب الطاحنة التي شنها الأسد على شعبه فتكت بالاقتصاد وبالتالي السياحة والصناعة والتجارة والزراعة، كل هذا أدى إلى انقطاع شبه تام لموارد البلاد. ويمكن القول بوضوح “بدأ انهيار الاقتصاد”، وبدأت معه مرحلة جديدة من التضخم وهي (التضخم الجامح) المنفلت، السريع، سرطاني الانتشار، التي إن بدأت بارتفاع تكاليف الإنتاج -على سبيل المثال- تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، الذي بدوره يؤدي إلى زيادة الأجور والإيجارات والبدلات، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج (من جديد)، ومن ثم إلى ارتفاع الأسعار (من جديد)، وهكذا دواليك، لتبقى الأمور في حلقة مغلقة.

فبحسب أحدث الدراسات ومقارنة بعام 2010، ارتفعت أسعار الخضار لعام 2016 بنسبة 1690%، وارتفعت أسعار الفواكه بنسبة 1310%، كما ارتفعت الألبان والأجبان بنسبة 1180%، أما أسعار اللحوم فقد ارتفعت بنسبة 1100%. كان سعر ربطة الخبز 15 ليرة للـ 1800غ، فأصبح 50 ليرة لـ 1300غ، المشروبات الغازية ارتفعت بمقدار 1200%. تقدر نسبة ارتفاع سعر الألبسة بمقدار 320%، ارتفعت تكاليف المواصلات 700% لباصات النقل الداخلي الحكومية و500% للميكرو باصات الخاصة، أما شركات النقل الخاصة فقد ارتفعت بمقدار 400%. ويصل ما ينفقهُ المواطن إلى 2100 ليرة شهرياً على الأقل على المواصلات، سواء بباصات النقل الداخلي الحكومي أو الميكرو باصات. كما وصلت نسبة ارتفاع أجور سيارات الأجرة /التاكسي/ ضمن المدينة إلى 660%.

أما بالنسبة لأسعار الطاقة، فتبلغ فاتورة الكهرباء وسطياً لدورة واحدة حوالي 2000 ليرة، بينما تبلغ فاتورة المياه وسطياً ولدورة واحدة حوالي 500 ليرة، أما فاتورة الاتصالات فتبلغ 2000 ليرة للدورة الواحدة وسطياً. وما ينفقه الفرد على التدفئة يبلغ 28000 لكل 200 ليتر مازوت، وهذا ما كانت عليه الأسعار خلال شتاء 2015 أي يصرف خلال شهر 2333 ليرة لمادة المازوت، أما بالنسبة لمن لا يستطيع شراء مادة المازوت فقد كان لديه خلال السنوات السابقة خيار التدفئة على الحطب، إلا أن سعر طن الحطب ارتفع إلى 40000 ليرة بعد أن كان في بداية الحرب 12000 ليرة، وقد اضطر كثيرون لحرق الملابس البالية أو البلاستيك أو أي مادة قابلة للاشتعال، للحصول على الدفء.

وكمثال مجرد على غلاء المعيشة بالنسبة للمواطن السوري في أيار 2016: عائلة مكونة من خمسة أفراد، يتناولون ثلاث وجبات يومياً، هي سندويشة فلافل للفرد في كل وجبة، سعر السندويشة هو 200 ليرة، رب العائلة سيدفع 90 ألف ليرة سورية شهرياً للغذاء فقط.

تجاوز معدل التضخم التراكمي الآن في سوريا 1200% نتيجة الخلل بين العرض والطلب، في حين لا يتجاوز معدل التضخم في أكثر دول العالم حالياً 5% سنوياً.

وبالنسبة للعقارات والسيارات، فقد ارتفعت أسعارها مقارنة بالليرة السورية، وانخفضت مقارنة بالدولار، بشكل عام ارتفعت بنسبة 500% بالنسبة لليرة، أما فعلياً انخفضت أسعار العقارات إلى النصف، وبيعت عقارات حديثة البناء بسعر التكلفة، وعانى سوقها من ركود لسنوات، لكنه مع بداية 2016 عاد للانتعاش من قبل التجار والأثرياء السوريين وغير السوريين، الذين استغلوا الظروف وراحوا يشترون عشرات الشقق السكنية والمحلات في المدن الرئيسية. كما أن هجرة مئات الآلاف من السوريين، دفعتهم لبيع عقاراتهم لتأمين تكاليف رحلة اللجوء إلى أوروبا.

ويعتبر التضخم النقدي الجامح الذي تشهده سورية اليوم غير قابل للضبط، حيث لا تستطيع الحكومة السيطرة عليه لكونه يقفز بمعدلات كبيرة إذ تجاوز معدله التراكمي الآن 1200% نتيجة الخلل بين العرض والطلب، في حين لا يتجاوز معدل التضخم في أكثر دول العالم حالياً 5% سنوياً.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *