ميسون جميل شقير
الكتابة لحظة احتراق، يدخلها الكاتب
ثم يتبعه القارئ ليعيشا معا تجربة الألم والضوء، نكتب كي نحاصر الفناء
بالخلق، نقرأ كي نعيش متعة اكتشاف أنفسنا، أما حين نقرر أن نكتب عما قرأنا فإننا ربما نحاول أن نرد للكاتب بعضاً مما تركه
فينا .
بدأتُ قراءة “سنيّة الصالح” بفضول امرأةٍ تقرأ
امرأةً متميزة، لكنها بذكائها وصدقها وبحزنها المغري الشهي، بشاعريتها الصادمة
أدخلتني كلي بين كلماتها وسجنتني محدثةً فيّ خراباً جميلاً حاداً مؤلماً، لكنه
خرابٌ عميقٌ وخلاق .
من خلال هذه الدراسة البسيطة أحاول أن أدخل
مفارق اللغة لشاعرة أعطت الشعر جسداً من ماء
ونار وماتت من البرد والعطش، ولامرأة راهنت على الثقافة والشعر الحقيقي ولم تأخذ حقها من الحضور والنقد .
“الأعمال الكاملة لسنية الصالح” هو الكتاب
المجرم الذي اختطفني وابتلعني وعنه سأقدم اليوم ادعائي .
في الكتاب، ليس فقط كل ما كتبته سنية، بل حياتها كاملةً
موجودة فيه وفيه أيضا منابع هذه الشاعرية القاتلة .
يتضمن “الأعمال الكاملة لسنية الصالح” كل
أعمالها الشعرية والقصصية والمسرحية وكذلك حواراتها ودراساتها الأدبية، وتسري بين
صفحاته امرأة من ماء .
يبدأ الكتاب بمقدمة رائعة لخالدة سعيد أخت سنية وزوجة
أدونيس، تعبر خالدة خلالها عبور أختٍ شاعرةٍ لأختها الشاعرة: ( في شعر سنية عالمٌ
معطوبٌ ورؤيا جامحة)، بعدها تمر الصفحات لتجعلك تقف أمام امرأة تكتب قصيدة النثر
بكل جرأة وثقافة ومعرفة وتحد، وتدافع عنها كما تدافع عن إنسانيتها ، تقول سنية: “التطور
الشعري هو بحد ذاته نضال لتحرر الإنسان وليس من قبيل الصدف أن تكون حركات التحرر
الثورية الشعرية قد اقترنت بالثورات وبحركات التحرر السياسية والاجتماعية حتى
الوصول إلى عصر الحداثة”.
سأحاول أن أتناول بإدعائي على هذا الكتاب “المجرم”
أهم مراجع ومنابع روح شاعرته وتأثير كل منها على لغتها ورؤاها .
المنبع الأول هو الشاعرية وقدرتها على كشف ما وراء قشرة
العالم والدخول بالنفس البشرية، مما جعلها قادرة على تقديم نص شعري يأتيك من كل
الجهات، وقد اتضح ذلك بفوزها بمسابقة جريدة النهار بوجود كل من أدونيس وأنسي الحاج
كأعضاء في لجنة التحكيم فهي تقدم العالم عارياً فتقول:
(الريح ثورة الأرواح التي لم تحظ بجسد )
وتقول في قصيدة احتضار امرأة:
عاجزة أن أعيدك إلى مخيلتي أيتها الغابة
فأيه عبارة حكيت للأشياء المنسية لحظة الغروب
وأية ورقة صمّمت لحظة البرودة
وبأي حوار فاجأتك الفصول
وتقول أيضاً:
سلافه
تهز شجرة الغيوم
فتسقط الدموع كلها
كنت أخاف أن أنام
فينام قلبي
وحين أصحو أتفقد أحلامي دائما لتبقى حادة كرأس الرمح
ومنعشة كالأقحوان
أما المنبع الثاني، فهو شخصيتها الجادة المتعاملة مع
مشروعها الأدبي بمنتهى المسؤولية والثقافة. وقد توضّحت هذه الشخصية برؤيتها
للحداثة الشعرية على أنها وليد أصيل للإنتاج الشعري البشري ومتغير دائم، ومن خلال
قبولها الآخر واحترام الإبداع الحقيقي بأي شكل كان، ومن خلال مفرداتها ورموزها
التي استخدمتها في قصائدها، ومن خلال ثقتها بذاتها الشاعرة المبدعة وفخرها
بالشعر.تقول :
القصيدة تقف على بعد أميال من النار الشعرية وهي تقرر مصير العالم
ونحن نستطيع أن نتجاوزها فقط بخفقة قلب .
ولعل دراستها للأدب الإنكليزي وتفوقها فيه جعلها تطلب الثقافة من الشعر، فتقول :
الشعر بجوهره عمل فطري، لكني أؤكد على ضرورة
الثقافة كرافد لهذه الفطرة، الثقافة التي يعرف بها الشاعر نفسه أكثر.
لكن هذا أيضاً يجعلك أحياناً تحسّ حين تقرؤها كأنك تقرأ أدباً مترجماً.
المنبع الثالث هو هاجسها العميق بتأنيث هذا العالم وبدفاعها عن الأنوثة
المسحوقة على مر التاريخ العربي، وإصرارها على ما تحمله هذه الأنوثة من خصبٍ
قادرٍ على إنقاذ العالم.
تقول: من الحروب
أم من دموع امرأة حقيقية
يتكون هذا النهر العظيم الذي يسمونه الحياة؟
وتقول أيضاً:
دائماً ينهض البحر
بكل ذكورية الملح
بوجه الغابات المنهكة من فعل الولادة .
ومن قصيدة مليون امرأة هي أمك :
شدي جزعك إلى جزعي
يا ابنتي
ثم اسحبي ما تبقى من جسدك في جسدي واعبري
ستكون أمامك ممرات طويلة وضيقة
والحقيقة تكمن في أشدها ضيقاً
حذاري أن تنسي
أنك ذاهبة لتصرخي وترفضي
لا لتنحني .
أما المنبع الرابع، وهو أكثر المنابع تأثيراً على نتاج سنية، هو طفولة سنية
ناقصةِ الدمى والتي جعلت شعرها معجوناً بالحزن والصدمة، لكنه وبالرغم من
كونه حزناً ذاتياً إلّا أنه عكس وبصدقٍ مذهل تاريخ حزن بشري كامل.
ولدت سنية في يوم دفن أخيها الذكر الوحيد، حيث فقدت أمها
السمع نهائياً ثم ساءت حالتها الصحية والنفسية حتى ماتت تاركة خلفها طفلة بطفولة
معطوبة لا تحاكي العالم، بل تخزن أوجاعها ولا تكتب إلا مع ذاتها.مما أبقى هذه الأم –الشجرة الأولى– حاضرةً في كل أعمالها. تقول سنية:
الليالي المظلمة خلقت للألم والذكرى
بين الثياب والعطور
تبكي حمامة مذعورة
حمامة يُقال لها
أمي
لعل المنبع الرابع هو الأعمق في روحها، وهو ارتباطها العاطفي والعقلي
والفكري والشعري بالشاعر الكبير محمد الماغوط .
جمعتهما بيروت وجمعتهما القصيدة
وجمعهما هروب الماغوط من الأمن السوري وتخفيه الطويل في دمشق.
في البداية، كانت هذه العلاقة هي سبب وهجها الداخلي. وقد كتب فيها الماغوط عدة قصائد ومسرحية
المرجوحة التي بقيت زادها وهي المرأة المولعة بالكلمة الحارة. وقد قالت سنية أن للماغوط روحاً بريةً محمية من
التحجر والتكلس.
و كانت مثلما أرادت من الشعر أن يكون حصانها الخشبي أرادت من الحب أيضا أن
يكون عصاها في البقاء.
لكن للماغوط ثاراته الخاصة مع هذا العالم، ولم تكن بلاده
عادلة معه كي يكون عادلاً مع نفسه ومع سنية، بل لم تبق الحياة
بينهما شعراً أبداً بعد الزواج، إنما انقلبت تعقيداً ومأساة وراح ينتقم بها من
العالم والظلم ومن الخيبة والفشل. ظل الماغوط مع ذلك شاعرها الأول ، وفي ديوانها الأول ينهض الحب كنيسان، فتقول سنية:
إنك نسر من الفرح
ونسر من الشعر
وغدائر الحزن
تفقد ذاكرتها
لكنها بعد الفجيعة تعود لتقول :
لكن الغابة بيضاء
والعصافير ثلج
شخص ما سيطلق الرصاص على ذاكرتي المعلقة في الهواء
نصل إلى المنبع الخامس وهو أهم ما حدث لسنية ولشعرها، أمومتها التي لم
تكن مجرد غريزة بالنسبة لها، بل كانت دفاعها الوحيد عن الحياة، عن الشعر، وعن الأنوثة المفجوعة. كانت أمومتها الملجأ الأول لطفولتها المسروقة
والمعادل الوحيد لحبها العميق ولأنوثتها العطشى على مر العصور.
إن هذا التوحّد الأسطوري بينها وبين ابنتيها والذي ورد بوضوح في أعمالها، أعطى لكتابة سنية
طعماً إنسانياً لاذعاً حاداً لا ينسى، وسيدوم مادامت الحياة. فأنا لم أقرأ أصدق مما كتبته سنية في هذه
العلاقة الأزلية التي غاصت بها بكل العري والحب العنيف. تقول:
قبل أن يدركني اليأس
أقفلي يا صغيرتي ذراعيك الخائفتين حولي
وارمي مفتاحهما في البحر
أيتها اللؤلؤة
نمت في جوفي عصوراً
استمعت إلى ضجيج الأحشاء
وهدير الدماء
حجبتك طويلاً
ريثما ينهي التاريخ حزنه
والمحاربون حروبهم
والجلادون جلد ضحاياهم
ريثما يأتي عصر آخر
فيخر واحدنا
من جوف الآخر
آخر منابعها كان ذاته آخر محطاتها وهو إصابتها بالسرطان. تلك الإصابة التي جعلت كتابتها بطعم النار، فقد كان ديوانها
الأخير ديواناً للموت. لكنها خاطبته
بمنتهى الندّية والعنفوان وبمنتهى الحب أيضاً. لم تكن تخاف الموت لكنها كانت لا تقوى على فراق
ابنتيها شام وسلاف. تقول:
خذيني يا روح شام وسلاف يا وطن
الزرقة
في رأسي غربة ثقيلة
وأيضا في المفاصل والعظام
صغيرتي
تأبطيني كلحم ذراعك
فلن أقوى على الفراق
سنية وبكل منابعها قادتنا إلى العطش، عطشٌ لذواتنا، لحقيقتها، لنارها ومائها. وإذ أنها
لم تنتسب لأي سلالة شعرية، ولم تؤطر صدقها بالتسميات، و تعففت عن النجومية، ولأنها زوجةٌ لاسمٍ كبيرٍ
لا مكان حوله لها، لم تأخذ حقها الشعري والنقدي. لكن كانت وما زلت امرأة رائدة قدّمت أدباً جاداً حاداً مملوءاً بهموم
الإنسان، أدباً قادماً من كهوفنا لكنه لم يزل حيّاً وسيبقى.
لقد راهنتِ على الثقافة واحترمت شعرها وقارئه، لتقدم أدباً غريب الإطلالة، مغمّساً بالأنوثة
كفعلِ خلقٍ، رافضاً أي فكر سلفي، لكنه متوازن مع تاريخه ومحترم للآخر.
لكنها بقيت حبيسة امرأة أخرى، امرأة مكسورة وعاجزة، حاولتِ التغلب
عليها بالشعر والأمومة. وربما كان ينقصها هو حبٌّ آخر، ووطن آخر، وتاريخ آخر، وقرّاء آخرين.
شكراً لهذا الخراب الذي عمّرتهِ في داخلنا. شكراً لأنك قلتِ لنا كم ينقصنا من الحزن والحرية
والجرأة في التعامل مع الكلمة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث