الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / هل يستمتع العرب بدور الكومبارس؟!

هل يستمتع العرب بدور الكومبارس؟!

حافظ قرقوط
لم توقظهم صرخات السوريين ولا أنات ثكالاهم، لم تستنفرهم حضارة الأمة ولا أوجاع مآذنها، ثلاثة أعوام ونصف وملايين الصور عن أشلاء الطفولة وضحايا الطائرات والكيمياوي تتدفق إلى فضائهم، وتقتحم غرفَ نومهم وموائد الطعام وقوائم مواعيدهم، لكنهم، وللأمانة شاهدوا عبور الطوابير النازحة هرباً من كلِّ هذا الجحيم، فقدّموا بضعَ خيم وأغطية ودموع في علب تصوير تلفزيوني يقرّبهم من الطاعة حين تأتي مواعيد الدعاء. اثنتان وعشرون دولة بمقاس التشريفات والأعلام، تضمُّهم جامعة ليست كجامعات العلم والمعرفة، فلا يحاضر فيها من يعنى بالأرقام أو الموارد أو القوانين، ولا يوجد فيها مخبر طبي لتشريح الحالات وتقديم النتائج لتجنب الوباء والأمراض والأوجاع، بل جامعة لتوزيع الدور في طابور الخطب وتوزيع الابتسامات، ذُبح السوريون على مرمى حجر من العواصم وقبلها ذُبِحَ الفلسطينيون، وما بينهما مذابح تتنقل ومجازر حتى في بنية الفكر والانتماء والمواطنة.
 ولم يدرك سادة القرار وأولياء الأمر أن الوباءات حين تنتشر ستأخذ في طريقها كل شيء، علناً أحياناً وخلف الكواليس أحياناً أخرى يتم توزيع الدعوات لمقارعة الإرهاب، لمقارعة النتيجة حيث لا أحد ناصر السوريين حين تصدّوا لأشرس إرهاب عرفه التاريخ البشري من نظام تجرّد من كلِّ القيم، ومن ميليشيا سوداء اقتحمت طيب سوريا وجمالها لتوزع فيها حقداً طائفيا يفتت البنية الاجتماعية لمصلحة إيران.
أمتنا العربية هبت الآن لمكافحة الإرهاب، ولا نعرف من سيحارب الإرهاب القابع بصدور أشقائنا حين حرموا السوريين من كلمة طيبة، واستكثروا عليهم حتى أوراق عبور نظامية لعواصمهم خوفاً من خربشات أنامل أطفالنا، هل لعاقل أن يصدق أن السوريين إرهابيون؟! هكذا أراد لنا أشقاء لغة أهلنا وأجدادنا وشعرائنا ودراما أوجاعنا على مدار الساعة كي نقتنع أننا إرهابيون قتلة لا أصحاب ثورة.
 هؤلاء السوريون الذين عمّموا الحرف، وابتكروا الزراعة والموسيقا، وأسّسوا المدن الأولى، أصبحوا في ليلة وضحاها صانعي إرهاب! أبواب الشام وأبواب حلب، وما ضمت من مراسم صلوات عبر مئات السنين لجيران تعايشوا بلا “ضربة كف”، وما بنت من أسواق لتجارة توجهت شرقاً وغرباً، أصبحوا الآن حفاة عراة في مهبِّ ابتكار الإرهاب، كيف نناشدكم وقد شظيتم حتى آمالنا في أن لنا أمة الضاد سند ومآل؟ في غوطة الشام تتوالى المجازر، وفي درعا انتقام من كلِّ شيء، في ريف حماة تفنن بأساليب حشو القذائف والسموم القاتلة، وفي مخيّماتنا تجري المياه من تحت أوتاد الخيم، وتُحمل الأطفال على بضعة مساطب رفعت على عجل من متاع وطين متراكم، تعلن دول الجوار أيّها السادة عن مخيّمات جديدة قيد الإنشاء للنازحين الجدد.
 إذاً: تتوقعون نزوحاً ونزوحاً، فهل تتوقعون نزوح الأرض السورية كي تستريحوا؟ ونفهم أين سنستريح؟ لا هكذا تورد الإبل ولا هكذا تحمى العروش، فإن خفتم يوماً من امتداد الثورة إلى عواصم ترهل فيها القرار لحدود السبات، فقد فهمنا، وحفظنا الدرس جيداً، لكن هل تدركون ما فعلت أياديكم بتركنا في فوهة البركان؟ أو ما معنى التصدي للإرهاب الذي أملتم له أن يساعد الأسد بالقضاء على أنفاسنا الأخيرة، فشل الأسد ومن والاه في تلك الفسحة الواسعة التي منحتوها له، وبقيت ثورة السوريين يافعة ككل من يتوق للحياة، دخلتم الآن حلفاً فاق الخمسين دولة، صمتنا، وقلنا علّه خلاصنا!! فما الذي يجري؟
 باليمن تدور الطاحونة على ضفة البحر الأحمر، ويعلن أهل طهران نصرهم، فهل من جواب لكي نفهم نحن قوم الأميين بالسياسة والوطنية؟ هنالك إعلام يركّز على عين العرب – كوباني، وكأنها ليست أرض سورية تلتهمها النار كبقية الأرض الملتهبة في الوعر وعربين وحلب ودرعا، قلنا حسنا الكل أخوة الدم والفاجعة فهل دققتم بما يحصل حول بغداد؟ هناك مؤتمر عقد لإعادة إعمار غزة بعد عدوان صهيوني، فهل دققتم بفلسطينيي مخيّم اليرموك وغيره؟ وأين أصبحت أخبارهم؟ وبين كل هذا هناك ملف نووي إيراني يبحث في التفاوض الآن، فهل نعلم ماهو ملفكم؟ 
في السياسة هنالك مصالح، لقد حفظ السوريون هذه المقولة عن ظهر قلب، فأين مصالحكم في كل هذا المشهد المركب؟ يعزّ علينا تحليل قوائم هزائمنا على موائد اللئام كل مناسبة، ويعزّ علينا أن تصل هذه المجموعة من الدول إلى هذا التوهان، فتبدو مصالحها لا تتعدى المساهمة بإبادة شعب لطالما حمل آلام أمته، هكذا هو المشهد بالنسبة للسوريين بين دخان القصف وتصريحات البيت الأبيض المتناقضة، لا شك لم يصلكم إلى الآن استهزاء الشارع بما يبثه الإعلام، لاعاقل هنا يفهم كيف لحلف هو الأكبر في التاريخ البشري أن يستنفر بهذه الحماسة المدججة بكل ما أنجزه علم القتل من أسلحة حديثة ومن دول لها مئات السنين من العمق بالتاريخ والتكوين في وجه تنظيم ما زال عمره الافتراضي يقاس بالأشهر، وها هي السماء تمطره وتزلزل الأرض من تحته بتلك النيران المتدفقة من البحر والجو ومازال يحاصركم، ويتقدم، من سيصدّق هذه الخرافة الصبيانية التي تمررونها في هذا الزمن من التقدم التقني بالتصوير والرصد، وتنقل المال بالأرقام المتسلسلة والموثقة؟ مجموعة أسئلة قد لا تنتهي كما هذه الحرب التي قد لا تنتهي حسب ما تبث ماكينة الإعلام بشتى أنواعها، وهي ستحمل مجموعة أجوبة أيضاً إن أخذت طريقاً مفتوحة قد لا تنتهي، ففي سوريا وخلال قرون خلت تحطمت إمبراطوريات، وأصبحت في ذاكرة التاريخ، ومن سوريا عبر الرسل في رسائلهم السماوية، وعلى رتابة أحرفها كتبت أساطير وأساطير، وهنا قد نورد الإبل لا في كواليس السياسة وحالة الهذيان اللامنتهية.
لقد خسر السوريون كلَّ شيء، لكنهم أتقنوا أن لا يخسروا الإرادة، فإن كان بالأسماء تساق الأمثلة، فداريا تبلغكم السلام، وتطمئنكم، ومن يعرف جغرافيا تلك المنطقة يوقن أن الوطن كما الشجر يولد من برعم تماماً، كما ابتدأت ثورتنا من براعم أنامل الأطفال في درعا، حينها استهزأ الأسد بها، فحاصرته فهل من حلٍّ تفرضونه بعملٍ ذكيٍّ واضحٍ قبل فوات الأوان كي لا يحاصركم جيل سوريا القادم من خيم الشتات ككابوس في غرف نومكم في هذه المنطقة؟

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *