عدلي سالم
كلما ازدادت الأطراف المتصارعة على الأراضي السورية عنفاً وضراوة، ارتفع حجم فاتورة الضرائب التي يدفعها الشعب السوري دماً وتشرداً ومعاناةَ بؤسٍ وشقاءٍ، وكلما دخلت عناصر جديدة على هذه الحرب، ضاق الأفق أمام المحللين السياسيين، وتكاثفت غيومه لتحجبَ الرؤية حتى عن أكثر الناس حكمةً وتبصُّراً.. ولتظل الأسئلة المتناسلة من واقع غائم معلّقة في ضباب الرؤية.
وحدهم السوريون يدركون بحسِّهم العفوي حجم الكارثة وعمقها وامتداد زمن حلها! ولمَ لا..؟! أليسوا هم من يعانون مأساتها وفداحة كوارثها؟!
إن من يتأمل حياة السوريين الذين يقيمون في المغتربات المختلفة، يجد الإجابة الدالة على جوهر ما يحدث أو ما ستؤول إليه الأمور.
فإذا كانت القلّة من المهاجرين قد حزمت أمرها منذ الأيام الأولى، وغادرت إلى بلدان بعيدة آمنة غير آسفة على شيء، قارئة بحدسها وحواسها شدة تمسُّك النظام بالحكم وبمكاسبه، غير مبال بمطالب الشعب، ولا ساع لحل المشكلات العميقة المستعصية التي تعصف بالوطن الذي فرض عليه وعلى أهله في غفلة منهم تسَيَّده والتحكم بشؤونه. وبالتالي، فهو لن يتخلى عن كعكة تذوَّق طعمها الحلو مهما أطال في أمد الحرب ومهما أذاق الشعب من مرارة بالنتائج التدميرية للحرب على غير صعيد.
أقول إذا كان المهاجرون الأوائل قد فعلوا ما فعلوه، فإن الدفعات التالية التي خاب ظنها، وانقطع أملها في غمرة الحدث وعمقه، فلجأت إلى مناطق قريبة، “تركيا أو بيروت مثلاً” وذهنها، وإن ظل معلقاً بالعودة ريثما تسنح الفرصة، أو يفسح لها في المجال، مهملة عهدها القديم، موطنة النفس في أماكن اغترابها على إقامة دائمة، وعلى ذلك فقد نقلت منشآتها الاقتصادية، أو أنشأت أخرى جديدة واضعة جنى عمرها وثمرات كفاحها حيث حلت، وما كان لها أن تفعل لولا قراءتها المؤكدة لمن سبقها وفق المعطيات الجديدة.
نعم إنهم الناس الذين يقرؤون على نحو صحيح.
إن من يدقّق فيما آلت إليه الأمور، يدرك أن لا عودة عن الحل الأمني بالمطلق، وإن أضحت البلد يباباً، ولا رجعة عن التمسك بكرسي الحكم، وإن كان على كومة أحجار، وبقايا من مدن. وحتى إذا غدا الوطن أوطاناً، وهو هكذا في الواقع العملي الآن، فماذا يعني أن تسافر من حلب إلى حلب في مدة تتجاوز عشر ساعات، وأن تدفع عشرة أضعاف الأجرة الفعلية؟! ذلك ما يقوله شبح التقسيم أو شكلٌ من أشكاله الذي بات يخيّم على البلاد اليوم. وإن لم يكن الأمر كذلك، فبماذا نفسّر ما يجري حول دمشق تحديداً من حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، يشنها الجيش على قاعدة ما يعرف بسياسة الأرض المحروقة، غير المضي نحو هكذا قرار؟! وبماذا نفسّر هذا العنف الإجرامي على منطقة الوعر التي يقطنها اليوم ما تبقى من أحياء حمص القديمة التي أبيدت بالكامل في الوقت الذي يجري فيه التباكي على عين العرب المدينة المهملة على مدى تاريخ النظام ككل المدن الشرقية التي تسلب خيراتها، ولا تأخذ لخدماتها وتنميتها إلا بالقطارة! وبماذا نفسر، كذلك، ما يحدث في المحافظتين الساحليتين من تحصين وترحيل لمنشآت صناعية حلبية وحمصية ودمشقية أيضاً إليهما؟!
كان يمكن تفسير ذلك على أنه مجرد تداعيات لأحداث فرضت نفسها.. ولكن ترك الحبل على الغارب لداعش الذي هو رأس الحربة وأس الإرهاب، وإهماله المتعمد منذ البداية، إذ ترك يتمدّد، ويسيطر على مناطق شاسعة في ريفي حلب وإدلب، وأن يبسط نفوذه على المنطقة الشرقية برمتها وعلى حقول النفط الأكثر أهمية للبلد.. ثم التعاطي معه شراء للقمح والبترول، وتركه للتحالف الدولي بزعامة أمريكا التي رفضت تملق النظام بالانضمام إلى التحالف! أمريكا التي هي، بحسب النظام العدو اللدود نفسه ورأس المؤامرة الدولية على سوريا! أفلا يفرض كل ذلك عليناالقول:
إن وراء الأكمة ما وراءها.. وأن التمسُّكَ بالحلّ الأمنيّ الذي اختاره النظام، وأصرَّ عليه متجاهلاً الأصوات الوطنية التي ارتفعت منذ البداية مطالبة بإبعاد الجيش وإعادة النازحين عن منازلهم والركون إلى الحوار على قاعدة التشاركية في وطن هو ملك السوريين جميعاً، وإلى المعالجة الفعلية لجوهر الأزمة السورية الكامن في قضايا داخلية محضة لا داعي لإعادة التذكير بها..
أعرف أن الكثيرين سيقولون: إن هذا الكلام قديم، وإن مياهاً كثيرة قد جرت منذ ذلك التاريخ، وإن مستجدات كثيرة دخلت على الخط. وإن أجندات كثيرة توضع الآن.. أقول:
نعم، هذا الكلام صحيح، ولا يمكن أن يكون غائباً عن ذهن أي متابع، فهو معروفٌ لدى القاصي والداني.. ولكن، إن لم يكن، ما قلته حاضراً دائماً، فهذا يعني التسليم بالحلول التي ستفرض على الشعب السوري خارج إرادته.. كما يعني أن المسألة برمتها هي خارجية، وأن الداخل ومشكلاته المتولدة عن طبيعة النظام وتفرده، وعن تغييبه للحريات العامة، وأنه لا يمكن أن يكون هناك حل يتوافق ومصالح السوريين.
ورغم كل ما جرى ورغم شبح التقسيم الذي يلوح في الأفق لا يزال النظام يصر على مواقفه، ولعلَّ شعاره الآن دمشق تكفيني.
دمشق تكفيني، هذا هو ما تقول به الأحداث عن حال النظام القائم في سوريا اليوم.. ذلك إن لم نأخذ بقول المغرضين؛ إنّ هذا هو القرار الذي يتمسك به النظام ضمناً.. وهو القرار الذي أمعن في خيانته الوطنية، رغم كل الشعارات التي أغرق بها الشارع السياسي السوري على مدى خمسين عاماً.. نعم هذا هو القرار الذي جاء به الحل الأمني خطوة بعد خطوة وبعزم وحزم شديدين من النظام، وبتشجيع من حلفائه الأشاوس الذين وجدوا في سوريا ملعباً سياسياً رحباً يستطيعون من خلاله تحقيق مآربهم، وفضّ نزاعاتهم وخلافاتهم وحل مشكلاتهم الدولية العالقة وهذا، بالفعل ما اهتدى إليه النظام في النهاية، ولم يزل يكيل التهم لهذا أو ذاك من المعارضة ومن غيرها، ومازال يصنف المواطنين السوريين على أساس موقفهم منه بالذات، فإما أن ترفع رايته، وإن باتجاه التقسيم، مادامت المبررات موجودة، وإما فداعش والأمريكان! وهذا ما تقوله الأحداث المتسارعة، لا منذ تمدد داعش وسيطرته على المناطق الشرقية فقط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث