الرئيسية / رأي / فيصل القاسم

فيصل القاسم

ثائر الزعزوع

على مدى سنوات ظل الإعلامي المعروف “فيصل القاسم”
مثيراً للمشاكل بسبب برنامجه الأشهر على الإطلاق في كافة التلفزيونات العربية
“الاتجاه المعاكس” وقليلة هي الحلقات التي مرت مرور الكرام، أو التي لم
تتبعها عاصفة من التعليقات المؤيدة أو المعترضة على مضمون الحلقة، أو على ضيوفها،
أو على طريقة القاسم في التقديم، فوصف بأوصاف كثيرة، وكتب عنه الكثير، كما حاول
الكثيرون تقليد طريقته لكنهم فشلوا، إذ كانوا يقعون في فخ “فيصل القاسم”
الرجل الذي وضع لنفسه بصمة في عالم الميديا سواء اختلفنا، أم اتفقنا معه. وقد
اختير لأكثر من مرة كواحد من أهم الشخصيات تأثيراً في الساحة العربية، واعتبر
برنامجه الأكثر متابعة من قبل الجمهور، سواء في الحرب أو في السلم، فقد كان يسعى
وراء المواضيع الإشكالية فيطرحها على طاولة الحوار الذي يتحوّل إلى صراخ، ثم قد
يتحول إلى عراك بالأيدي أو بالأحذية، وقد أتيحت لي الفرصة للعمل مع فيصل القاسم
لفترة قصيرة في أثناء تأسيس قناة الرأي في دمشق، فكنت مشرفاً على البرامج الثقافية
في القناة، بينما كان هو مستشاراً لرئيس مجلس إدارتها، وقد اختلفت معه مرتين أو
ثلاثاً بسبب أسلوبه في العمل، ورغبته الدائمة في البحث وراء المواضيع التي قد تثير
الرأي العام، بينما كنت ميالاً أكثر للهدوء والتروّي، ولكن اختلافي معه وعدم
اتفاقي معه، لا يعني أن الرجل لا يعتبر نجماً في سماء الإعلام، ولن يقلل من
المكانة التي وصل إليها حجم الإشاعات التي تثار حول تلقيه أموالاً من النظام
العراقي السابق، ولا الصور التي نشرت له، وتظهره إلى جانب الرئيس العراقي الأسبق
صدام حسين، أو سكرتيره عبد حمود، ولا صورته مع معمر القذافي، إذ أن جمهورية فيصل
القاسم على الفيس بوك يتجاوز عدد المعجبين بها أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون، وقد
تعرض للكثير من التنكيل من النظام السوري بسبب تأييده للثورة منذ انطلاقتها،
ووقوفه إلى جانب الشعب ضد الطاغية، فتمت مصادرة أملاكه، وحكم عليه غيابياً،
واعتبره نظام دمشق عدواً شخصياً له، فسلّط أبواقه لتشتم فيصل القاسم عبر البرامج
التي تبثها وسائل إعلامه، لكن ذلك كله لم يؤثر على فيصل القاسم الذي ازداد عدد
المعجبين بصفحته، ولأقل ازداد عدد المدافعين عنه أيضاً، وكما هو الحال بالنسبة
لسوريا فكذا الحال بالنسبة لمصر، إذ ينظر مؤيدو السيسي إلى برنامج الاتجاه المعاكس
ومقدمه على أنهما سلاح فتاك تسلطه “قطر” للنيل مما يعتبرونه “ثورة
“30” يونيو حزيران” التي أطاحت بحكم الرئيس محمد مرسي.

لكن الجديد لدى فيصل القاسم هو حربان اشتعلتا ضده على
جبهتين مختلفتين، الحرب الأولى من لبنان بعد حلقة ساخنة كانت تتحدث عن سوء
المعاملة الذي يتعرض له اللاجئون السوريون في لبنان، استهلها القاسم بمقدمة نارية
تحدّث فيها عن الجيش اللبناني، واعتبره جيشاً ضعيفاً يستقوي على اللاجئين بينما
يضعف لا أمام إسرائيل فقط، بل أمام ميلشيات حزب الله، فشن بعض اللبنانيين حرباً
غير مسبوقة على فيصل القاسم وخصصت برامج تلفزيونية للعنه والإساءة له، وعلى الفور
انبرى ناشطون سوريون للدفاع عن القاسم فأنشؤوا مجموعة على الفيس بوك، ونشروا
تعليقات كثيرة كلها تناصر القاسم، وتشتم شاتميه.

ولم تكد تنقضي
العاصفة اللبنانية حتى هبت عاصفة أخرى وهذه المرة العاصفة كوردية، وجاءت إثر تخصيص
حلقة برنامج الاتجاه المعاكس للحديث عما تتعرّض له مدينة كوباني، وقد استضاف فيصل
القاسم ضيفين كورديين يمثل كلُّ واحد منهما تياراً سياسياً أو جهة ما، فلم يسلم
المقدم ولا ضيفاه من طوفان شتائم خرجت من بعض مناصريه “الأوفياء” والذين
كانوا قبل هذه الحلقة من أشد المدافعين عنه، فوصفوه بأوصاف لا يليق ذكرها، وذهبوا
بعيداً في شتمه إلى أن أوصلوه إلى صفة “الداعشي” وما تزال الحملة مستمرة
ضد فيصل القاسم وقناة الجزيرة حتى وقت كتابة هذه المقالة، وأنا أقرأ تعليقات
المرتدين عن تأييد فيصل القاسم ومغادري جمهوريته الفيسبوكية، وقد كتب القاسم
معقباً على هذه الحملة الجديدة ضده قائلاً: “وصلتنا الكثير من الشتائم على
الحلقة الأخيرة حول الأكراد. وقد ظن البعض أن الحلقة كانت موجهة ضد الأكراد. وهم
مخطئون تماماً، فالكورد هم أكثر الأعراق التي عانت في المنطقة من ظلم الجميع، ولا
يستحقون إلا التعاطف والتضامن. أما الذين يعتقدون أن الحلقة ربما فضحت المتاجرين
بقضية الأكراد من الأكراد فهم على حق”.

ولكن لماذا؟ وهل تستحق حلقة تلفزيونية مدّتها خمسون
دقيقة أن يكتب عنها كل هذا الكم من الشتائم والانتقاد؟ وهل استطاع أو يستطيع فيصل
القاسم أو ضيفاه أو ضيوفه سواء قديماً أو مستقبلاً أن يغيروا في حقيقة ما يجري على
الأرض، أو أن يغيروا التاريخ أو الجغرافيا مثلاً؟ والحقيقة أن لا شيء يستطيع تغيير
الواقع إلا من يعمل فيه، وعلى الأرض تحديداً، وأما حلقة من برنامج تلفزيوني فهي
قادرة على تغيير مناخ الفيسبوك، وزيادة أو إنقاص عدد اللايكات لا أكثر ولا أقل،
فخلال الساعات الأربع والعشرين يتعرض الواحد منا لأربع وعشرين ساعة من البث التلفزيوني
المباشر والمعاد بثه، قبل عشر سنوات كنا نتأثر ربما، أما الآن فقد تحول الأمر إلى
عدة وسط زحام الفضائيات، وبرامج المنوعات الغنائية، والطبخ، والبرامج الدينية
ومدائح القادة الأبطال، وهلم جراً. قد يخسر فيصل القاسم بعض جمهوره، لكنه بكل
تأكيد سيكتسب جمهوراً آخر، لكن انجراف بعضنا وراء لغة الشتيمة والتخوين يجعلنا
دائماً نلف في الحلقة نفسها، إذ لم أقرأ نقداً موضوعياً واحداً، ولم أعثر في كل ما
قرأت على رأي عقلاني بل صراخ يتناسب طرداً مع صراخ، ثم عراك، ثم بالأيدي وربما
بالأحذية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *