أحمد العربي
منذ عامين، وبينما كنا
جالسين بمقهى في حارة دمشقية جميلة، مر بنا طفل صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره،
حيث كان واضحاً من شكله أنه سليل عائلة “نورية” عريقة تحترف التسوُّل
أباً عن جد، وهو النوع الذي يميّزه جميع السوريين، بحيث لا تحرك قصصه المأساوية
التي ينسجها طالباً المساعدة مشاعر أحد.
طلب الطفل النقود بحجة أنه
نازح من إحدى المناطق الساخنة،حيث كانت بوقتها تلك الحجة رائجة، مستغلة تعاطف
المزاج العام في سوريا مع المناطق الساخنة.لم تنطل علينا تلك الحيلة، فأشحنا
بوجوهنا عنه مرددين العبارة التقليدية في تلك المواقف “الله يعطيك” إلا
أحد الأصدقاء الذي كان جالساً يتناول وجبة طعام، لم ينطق لأنه كان مشغولاً بطعامه،
فأحس الطفل بذكائه الفطري وخبرته التسولية الموروثة أنه ضالته، والأغنى بيننا لأنه
الوحيد الذي طلب الطعام، بينما الآخرون يحتسون المشاريب، فتوجه إليه بسيل من
عبارات التسول والأدعية الرخيصة، فنهره صديقنا، واستمر الجدل بضع دقائق بينهما حتى
يئس الطفل من إمكانية الحصول على النقود، فنظر إلى الطعام، وطلب من صديقنا أن
يعطيه الوجبة التي كان يتناولها، فرفض ثم نظر إلى حمالة المفاتيح الخاصة بصديقنا والتي
كانت على شكل أحد الشخصيات الكرتونية، وطلبها منه فرفض صديقنا، انهزت ثقة الطفل
بقدراته التسولية إذ أنه لم يعتد أن يفشل بهذه الطريقة، فقال لصديقنا أعطني سيكارة،
فرفض قائلاً مازلت صغيراً على التدخين، غضب الطفل، فأخرج سيكارة من جيبه، وقال
أعطني ولاعة فقط، فغضب صديقنا هو الآخر، ونهره بشدة قائلاً “يعني المهم تاخذ
أيّشي” وطرد الطفل.
لم أستطع وأنا أسمع خبر
حصول المعارضين السوريين الثمانية من المجلس والائتلاف الوطنيين على الجنسية
التركية إلا أن أتذكر تلك الحادثة وذاك الطفل لدرجة التطابق الكبيرة بين سلوكه
وسلوك أولئك المعارضين.
فهم أيضاً احترفوا التكسب
والتسول من الدول الأخرى بحجة مأساة سوريا والسوريين، ولم يوفروا أي باب للاستفادة
من الثورة السورية حتى ولو بجنسية كما فعل ذلك الطفل حتى ولو شعلة ولاعة. قد تكون
هذه المقارنة شديدة الظلم بحقهم، لو أنهم ساقوا حجة مقنعة لتبرير تصرفهم هذا، لكن
ما قدموه من تعليل بأنه إجراء لتسهيل حركتهم كون النظام السوري منعهم من وثائق
السفر، وهذا فيه خدمة للثورة، يندرج تحت مسمى “عذر أقبح من ذنب” لأن
الثمانية الذين حصلوا على الجنسية التركية، إما يحملون أصلاً جنسيات أمريكية وأوروبية
مثل خالد الصالح وفاروق طيفور، أو حصلوا على اللجوء السياسي في بلدان أجنبية مثل
جورج صبرة، لذلك تبريرهم هذا هو من باب الاستخفاف بعقول السوريين.
ولعل ما قدمه أحد الصحفيين
المدافعين عن الائتلاف على شاشة التلفاز من تبرير مقنع أكثر، ويؤكد المقارنة التي
بدأنا بها، حيث قال:” تركيا عرضت عليهم الجنسية فهل يرفضونها” على مبدأ “ماحدا
يقول للرزق لأ”. قد لا نختلف مع هذا
المبدأ بالنسبة للأشخاص العاديين،أما مع معارضين يمثلون نظرياً القيادة السياسية
لثورة وطنية، فإذا بررنا هذا التصرف فلماذا إذاً نلوم بشار الأسد على عمالته
لإيران وتماهيه مع المشروع الإيراني؟ فليأخذ هو الآخرالجنسية الإيرانية، وتصبح
بذلك العمالة مبررة له وللسادة الأتراك الجدد .
وأخيراً لا يسعنا إلا أن
نبارك لهم انتماءهم الجديد، آملين أن يتمتعوا بكل الامتيازات العثمانية، وعلى
رأسها الألقاب، فهم يستحقونها مثل أن يصبح جورج صبرة باشا، وخالد الصالح أفندي،
وفاروق طيفور بيك، وندعو المولى عز وجل أن تختارهم القيادة التركية ولاة عثمانيين
على المناطق السورية التي ستشملها المنطقة العازلة إذا أقيمت، متمنين لهم كل
التوفيق، وأن يخدموا وطنهم الجديد بشكل أفضل من خدمتهم للثورة السورية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث