الرئيسية / سياسي / سياسة / تقارير / كم مجزرة يحتاج “الموالون” للمطالبة بإسقاط الأسد؟!

كم مجزرة يحتاج “الموالون” للمطالبة بإسقاط الأسد؟!

حافظ قرقوط
في شباط عام 2011 اُعتُقل عدة أطفال من درعا بتهمة كتابتهم شعارات مناوئة للنظام، اتّهم الناسُ عاطف نجيب مسؤول أمن المحافظة، والمحافظ فيصل كلثوم بالمسؤولية عن ذلك، ولاحقاً عن إهانة الأهالي والتّعامل بطريقة استفزازية معهم، اجتمع الأهالي، واعتصموا، وطالبوا بحقوق مدنية بديهية، لكن النظام أجابهم بالنار والبارود، وبمزيد من الاستعلاء.
 وابتدأت ثورة سوريا في آذار تقدّم شهداءَ كرامتها وحريتها، وأخذ النظام بتصعيد الانتقام، وما زال، هتف السوريون ضد النظام. لكنهم هتفوا أيضاً في ذلك الوقت المبكر “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد” منعاً لفتنة طائفية، تعمّد نظام الأسد اللعب على أوتارها تاريخياً، كان حسُّ الثوّار الوطني عالي المستوى، ومدركاً لقسوة الانزلاق الطائفي في وطن متعدد الانتماءات الإثنية والقومية، بل جعلوا ليوم الجمعة شهرة خاصة في أيامها الطويلة، وأخذوا يطلقون عليه تسميات وعناوين لها مدلولاتها، وأيضاً لم يغب عن ذهنهم وحدة سوريا بتركيبتها تلك، لكن النظام أوغل باللعبة الطائفية وغرائزها، وأصبحت ركيزة أساسية من ركائز صراعه المستميت لأجل كرسي الحكم. فاستقدم ميليشيات طائفية من شرق وغرب سوريا بأعلامها وهتافاتها وصورها وإجرامها، ليثبت أنه نظام منعتق من كلِّ المفاهيم الوطنية، وهكذا قابل الشعب بلا مسؤولية أخلاقية أو قانونية أو سواها. 
في تشرين أول عام 2014 انفجرت سيارة مفخخة أمام مدرسة في مدينة حمص. تلك المدينة التي لطالما أطلق عليها السوريون لقب “عاصمة الثورة”، وهي بشجاعة منقطعة النظير، استحقت هذا اللقب بل، وأذهلت العالم بصمودها أمام حصار خانق لأحيائها الثائرة من أحياء موالية، كانت حاضنة للتشبيح والقتل والتّطاوُل على اسم تلك المدينة العظيمة، ونحرها طائفياً. واستكمل هذا النظام غيّه بإنشاء أسواق تحمل اسم “سوق السنة” في الجانب الذي استهتر بحقِّ الجيرة والانتماء والمواطنة بل، واستكثر رغيف خبز يمرُّ إلى أولئك الجيران، في تلك الأحياء الموالية وبالذات في حي عكرمة، جاء هذا الانفجار، وكان الضحايا من الأطفال، ما جعل الأهالي يتظاهرون، ويهتفون لإقالة ومحاسبة محافظ حمص واللجنة الأمنية، لكن تحت عباءة الأسد ببقايا نظامه المتهالك.
 والسؤال هنا: لماذا لم يدرك ذوو أولئك الأطفال، والموالون في تلك الحارات أن النظام هو كتلة واحدة، وهم جزء من قاعدته؟ والسؤال الآخر: لماذا لم يوعز الأسد بإطلاق النار على المحتجين كمعاملة بالمثل مع أهالي أطفال درعا؟ أما السؤال الأهم فهو: ماهي خلفية المطالبة بمحاسبة محافظ حمص واللجنة الأمنية؟
لقد مرّت أيام، ونحن ننتظر شيئاً ما يحصل لنفهم ما يجري هناك. ولكن من يتابع ردود الفعل لدى تلك الأحياء، والنظام خلال الأيام المنصرمة، وبعض الآمال التي علّقها بعض المعارضين على ذلك، سيجد نفسه أمام مراجعة متكاملة إلى مآلات الأحداث خلال ثلاثة أعوام ونصف العام من عمر الثورة السورية، حيث مجازر الأسد المختلفة من درعا إلى البيضا إلى الحولة والقصير، وجديدة الفضل، وداريا ومجازر الكيمياوي والبراميل البدائية على حلب ومئات المجازر الأخرى على امتداد سوريا، وردود فعل أحياء النظام الموالية، وتأهبهم لسرقة البيوت الفارغة عقب كلّ مجزرة مع ما تضمنته من شعارات عدائية لبقية الطيف السوري.
 وسيفهم أن مظاهرة الأهالي في حي “عكرمة” الحمصي، ليست لتحطيم بقايا النظام وصورة الأسد أو الانقلاب عليه بل هي في مضمونها تطالب بلجنة أمنية أكثر إجراماً من سابقتها، ومحافظ أكثر سوءاً في إدارة مدينة أصبحت أحياؤها الأساسية أطلالاً، وهذه الأيام قد مرت، وأثبتت هذه الرؤية صحتها، لأن مَن لم تحرّكه مشاعره الإنسانية الوطنية ومجموعة القيم العامة للمجتمع للاحتجاج أقله الأدبي تجاه ما جرى سابقاً لجيرانه، ومواطني بلده خلال أعوام الثورة لن يكون موقفه الحالي معبراً سوى عن عنصرية بلباس طائفي تجاه جاره، ولهذا فإن المطالبة بمحاسبة المحافظ واللجنة الأمنية تعني زيادة الانتقام حتى من تلك الأشباح المتبقية من المدينة ومتابعة نازحيها حتى آخر أنفاسهم.
 وهذا يعني أيضاً أن الخلفية الذهنية لسكان حي عكرمة وغيره هي اتهامهم لجيرانهم المنكوبين ولبقية السوريين أنهم خلف هذا العمل الإرهابي، ولهذا فإن كل بيانات الثوار التي أدانت هذا التفجير الجديد بحق الطفولة السورية لم تمر أمام أعين أهالي الضحايا، فمجازر الأسد المتكررة ليست عناوين لهم، ليضيفوا هذا العنوان إليها، وإن احتفاء بعض السوريين بتلك الاحتجاجات لم تكن سوى تعويل على وعاء مثقوب بالأساس بل ثقوبه، ما زالت في تزايد مقلق.
 فإذا كان دم الطفولة البريئة لم يحرّك وليّ الدم نحو الهدف المباشر، ألا وهو الأسد مقارنة مع كرامة الأطفال، التي هبّ الأهالي لأجلها في درعا مع بداية الثورة، حينما طوروا هتافاتهم لإسقاط الأسد إكراماً لدم الشهداء، ولم يغفلوا هتافهم أن الشعب السوري واحد، فإن ما جرى في عكرمة رسالة سيئة بل، هي غوص جديد في وحل الطائفية البغيض الذي استفاد منه النظام مجدداً بنحر ما بقي من آمال يبنى عليها مسقبلاً، وأصبح له وللجان الشبيحة حجة بعدم عودة المهجرين من الأحياء الثائرة خوفاً على هذه الأحياء من الإرهاب. 
وهكذا مرَّ عيد الأضحى بأضحية جديدة تذكّر السوريين أنهم شعب واحد أمام جرائم الأسد، وإن لم يفهمها حتى اللحظة موالو هذا النظام الذين لم يدركوا أيضاً، أنهم لولا ثورة السوريين العظيمة ما كانوا ليتجرؤوا على تلك المظاهرة والمطالبة بإقالة حتى مديرة تلك المدرسة.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *