سالم عدلي المحمود
رغم كل ما جرى، ويجري في سوريا منذ ما يقارب الأربع
سنوات، ورغم عشرات ألوف القتلى، وملايين المهجرين، ورغم تدمير وخراب، ما قيمته
مئات المليارات من الدولارات التي سيدفعها حتماً مَنْ سيتبقى مِن أبناء الشعب السوري
زيادة على معاناته المادية والروحية. ورغم عجز النظام المنتهية صلاحيته، بفعل حركة
التاريخ، عن تجديد نفسه قبل بدء أحداث الخامس عشر من آذار، واستدعائه، بعد ذلك،
وعلى التوالي، كل قتلة العالم لغرس سكاكينهم في جسد الشاة “الوطن” التي حاول
ذبحها، ولم يزل يمعن وأصدقاؤه، والخصوم كلهم في عملية الذبح، رغم مقاومتها
السكاكين جميعها، وإثباتها للجميع أنها عصية على الموت، أو الهلاك. ورغم هذا وذاك
وذلك، مازال بعضهم يعيد السؤال الخبيث ذاته، وهو:
هل ما حدث في
سوريا ثورة أم غير ذلك؟!
ولعلَّ السؤال أخذ يفرض نفسه بقوة مما أخذ يطفو على سطح
الأحداث في الفترة الأخيرة، ما يشعر إلى أنها، أي الأزمة السورية كلها، ذاهبة إلى
هاوية لا قاع لها، ولا قرار.
يظهر ذلك من هذه
الأفعال والممارسات التي بدأت ترتكبها أطراف متعددة من عموم التطرُّف والمتطرفين
الذين ركبوا، بفعل فاعل حتماً، وربما فاعلين، موجة الأحداث، فجاؤوا بأفعال ربما هي
الأبشع مما حصل في تاريخ البشرية من مآس، ومما لا يقر به، طبعاً،لا عقل ولا منطق، ولا
تتقبله، كذلك، الأنفس، كما أنه لا يتماشى مع أية قيم أو شرائع.. ويأتي فرض السؤال
نفسه من هذا الضباب المتكاثف الذي أخذ يسد الآفاق، ويغلق الأبواب أمام ذوي الحكمة
والتعقل، ويزيد من إشارات الاستفهام والتعجب!
ما يحدث في سوريا في الحقيقة، أبعد من ثورة، وأوسع.. فالثورة،
أية ثورة، مؤطرة في بدئها ونهايتها بأهداف محددة: سياسية واجتماعية، وبأحزاب
وقيادات وأفكار وإيديولوجيات.. أمّا ما حدث في سوريا، ولم يزل، وإن كان قد بدأ
بكلمة واحدة بسيطة، ومألوفة، كلمة غير مستنكرة، ولا مرفوضة، وإن في العلن على
الأقل، هذه الكلمة هي الحرية التي فتحت الباب على اللامتناهي مما كان يلم به
السوري من ثقافة على مستوى التاريخ والجغرافيا والمجتمع، على مستوى السياسة
والاقتصاد، على مستوى الفلسفة وعلم النفس، وغير ذلك مما كان يكوِّن ذهنية الشخصية
السورية على مدى عقود من الزمن. فعلى الرغم مما قيل، ويقال عن هذه الأحداث من أنها
ليست ثورة، إذ لا أحزاب تقودها، ولا أفكار ترسم خطاها، فما يتبدّى أنها أبعد من
ذلك، وماالاتهامات التي تكال لها إلا ميزة لا سبة.
وإذا ما تمعنا في تاريخ الثورات، فأول ما يلفتنا وجود نصيب
كبير للفقراء فيها، فمن ثورة العبيد في روما إلى ثورات الفقراء والمهمشين في الدول
الحديثة “فرنسا، روسيا، الصين الكثير من ثورات بلدان العالم النامي”.
إذاً: تعالوا ننظر معاً إلى ماهية المنتفضين الاجتماعية
على ساحة الوطن السوري من أقصاه إلى أقصاه، فما الذي يمكننا قوله عن هؤلاء
المهمشين في الأرياف السورية وأطراف المدن؟ ولماذا انتفضوا بغالبيتهم؟ وأنا هنا لا
أشير إلى الأشكال الطبقية ولا أبغي التنظير الطبقي الذي فات أوانه بالشكل
الدكتاتوري الذي برز فيه هنا وهناك، بل أشير إلى الشعور بالغبن لدى شرائح وفئات
واسعة من المجتمع، وعدم قدرتهم على استرداد حقوقهم المتجاوز عليها بسبب غياب
الدمقراطية، وفي وقت صارت فيه العلوم والمعارف وألوان الميديا وأجناسها في متناول
اليد، وإلى الرغبة العارمة لدى ذلك الكم الهائل من أفراد المجتمع الشعب، وخصوصاً جيل
الشباب، ومن بينهم الخريجون، بتجاوز ذلك الغبن، بل الظلم والقهر الواقعين عليهم بالتمييز،
وتفويت فرص الحياة الكريمة على أكثر من صعيد. وبالطبع، في هذا المجال لا تهمُّنا الشعارات
التي رُفعَت، ولا الأماكن التي انطلق منها المتظاهرون، فالجوهر الاجتماعي لهؤلاء
هو الأساس، والاصطفافات المجتمعية هي المعيار، وفي المقابل ترى إلى سكان المناطق
الغنية بثرائهم ورخاء عيشهم وتميزهم الاجتماعي والسياسي من تجار وصناعيين، قد
وقفوا إلى صفِّ النظام، وفي وجه هؤلاء المنتفضين، حتى إنَّ كلمة حرية صارت مجالاً
للتندر الساخر على ألسنتهم وألسنة رجال الأمن والسلطة “بِدْكِنْ حرية؟!هاي
الحرية” وإن بعض رجال الأعمال من الذين كونوا ثرواتهم بسبب حظوتهم لدى النظام،
وصف هؤلاء بأنَّهم زعران الأرياف.. تماماً كما كانت الفئات المحافظة على مدى
تاريخها تصف قوى النهوض والارتقاء بالتخلف، تصغيراً لشأنهم وتقليلاً من أهميتهم.
أما الجانب الآخر الذي أودُّ الإشارة إليه، هو دخول الأدب والفن وأعلامهما على
الخط، وإلى جانب الثورة والثوار، ولن أذكر أسماء هؤلاء الفنانين الذين تميزوا
بوعيهم الوطني والاجتماعي، وكانوا على الدوام يتحسسون ضيق الواقع من حولهم وانغلاقه
المطلق، ويرون إلى تأثيرات أبعاد الاستبداد السلبية بل المتخلفة التي لم تعد تقف
حجر عثرة أمام نمو المجتمع وارتقائه فحسب، بل أخذت تخالف روح العصر، وقد
أخرجت الوطن
والمجتمع والأمة السورية برمتها من إطار التاريخ.. أما قوة الحراك الشعبي فتكمن في
هؤلاء الذين ينتمون إلى جيل الشباب، وينظرون إلى الحياة بعيون المستقبل انطلاقاً
من ثورة المعلومات والاتصالات وما وضعته أمامهم من معطيات، ويعانون حالات انسداد
الأفق أمامهم، وأمام رحابة العالم من حولهم.. ولا أريد أنْ أستفيض في هذا المجال..
لكني أودُّ الإشارة فقط إلى ما عنيت بعبارة: “أبعد من الثورة، وأوسع”
التي ورد ذكرها، ورغم الاحتمالات المتعددة، والمخيبة للآمال التي تلوح في الأفق
اليوم بسبب تكالب ذوي المصالح من أصحاب السكاكين المستدعاة، برعونة الحاكم،
واستخفافه، أقول:
إن هذه الأحداث “الثورة” قد وضعت الإنسان السوري
أمام معطياتٍ جديدةٍ كلِّ الجدّة، بل هي التي فرضت عليه أن يعيد النظر في مجمل
مصطلحاته ومفاهيمه التي حفظها عبر سنين طويلة أو حفَّظَه إياها التاريخ، ولعلها
أعادت له التاريخ نفسه، أو مشاهد منه، وإن كان على نحو كاريكاتوري، ولكن لا ليتمثل
دروسه وحكمه وأحكامه هذه المرة، بل ليعاود كتابته وفق منطق العصر ومعطياته.. صحيح
أن الثمن، كان، وما زال باهظاً جداً، وعلى أكثر من صعيد، ولكن يبدو أن معياري
الحياة والتاريخ دقيقان، وعادلان، وصارمان أيضاً حين يكون سقف الأفق مرتفعاً..!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث