عمّار الأحمد
تظهر مجريات بلدة كوباني “عين العرب”، أن اتّكاء حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) على النظام أمرٌ خاطئ كليةً. وأن تركيا لها مصالح أكبر من الكرد، ولن تفرط فيها، وتقوم بدعم الكرد ضد داعش، ويستفيد النظام السوري، أو حزب العمال الكردستاني من ذلك. وأن دول التحالف الدولي ليست مستعدة لإنزال قوات برية لإنقاذ كوباني، أو أية مدينة سورية أخرى.
هذا يوضّح أن خيار الشباب الكردي، والذي انضوى ومنذ بداية الثورة في إطار شعارات الثورة، هو الصحيح، كما أن شعارات الثورة الأولى، وأن الشعب السوري واحد. وهي ما يجب استعادته.
ونضيف بأنه كما شُوّه المجلس الوطني الثورة السورية، كذلك شوّهت الأحزاب الكردية الميل الشبابي الكردي نحو وطنية سورية، وقدموا رؤىً بعيدة عن الثورة بل، واشترطت عليها إما أن تعترف للكرد بأنهم القومية الثانية، وأن قضيتهم قضية شعب وأرض، وإما لا علاقة لهم بسوريا، وليس بالثورة فقط. هذا الأمر ضخّمه “صالح مسلم”، وبالتنسيق مع النظام شكّل إدارته الذاتية، والتي كانت تهديداً للثورة وللمعارضين الكرد أيضاً، وراح بإدارته هذه، يحمي ظهر النظام، ويستقل بالمناطق الكردية، وبعداء واضح للفصائل العسكرية العربية.
كلّ المعارك التي خاضها الثوار ضد النظام كان الكرد بعيدين عنها باستثناء شخصيات مستقلة وموزعين في المدن. النظام وحينما حاصرته الثورة، انسحب من المناطق التي يشكل الأكراد فيها أغلبية لمصلحة حزب صالح مسلم، وتفرع للمعارك ضد الثوار. هذا ما تعرفه جيداً الفصائل، وتحديداً الموجودة في الرقة وديرالزور، وحلب، وبالتالي هناك عداء بين العرب والكرد، خطط له النظام، ونفّذه صالح مسلم، وقد وقعت به أيضاً فصائل عسكرية، فصارت في عداء مع الكرد، بينما كل الخلافات بين الكرد والعرب سببها النظام كما أوضحنا.
الآن يتوضح أن لا إمكانية لإدارة ذاتية مستقلة قبل نجاح الثورة، وترتيب وضع السلطة القادم، وأن عنف الصراع، وتعدد أشكاله لا يتيح للكرد أبداً ذلك؛ فهناك الجهادية، وهناك التحالف الدولي، وهناك تركيا، وهناك النظام، وهناك فصائل الثورة الوطنية، وهناك مآسٍ وويلاتٌ، يعاني منها السوريون في السنوات الأربع. نريد القول لا يمكن لمنطقة في سوريا أن تستقل بذاتها دون إيقاف الصراع والانتقال بسوريا نحو نظام جديد.
تجربة التّمايُز القومي الكردي في سوريا تبين أنها وهمٌ، فلا كرد سوريا يشبهون كرد العراق ولا تركيا، ولا إيران، وبالتالي الممكن الوحيد أمام الكرد الانضواء ضمن أهداف الثورة العامة، وإنهاء مظالمهم في إطار الدولة القادمة، والتي ستكون على أساس المواطنة، وستحلُّ مشكلات القوميات الأخرى، بما يخص حقوقهم الثقافية والتعليمية بلغتهم الأم، ويمكن أن تكون هناك مسائل تخص الإدارات المحلية والمحافظين وسواه.
أكثر من ذلك يبدو أنه خارج الإمكانية، فلا الكرد في سوريا قومية كبيرة، وبمقدورهم الاستقلال القومي، وليس في مقدورهم فرض شروط سياسية كممثلي قومية ثانية، ومساوية للقومية العربية في سوريا؛ فهم أقلية كبرى، ولها ما لكل السوريين وما لكل القوميات الصغيرة من تمايزات ثقافية.
تجربة كوباني، تطرح مجدداً بالنسبة للكرد، السؤال: كيف سننال حقوقنا؟ وهل هذا ممكن خارج سياق تغيير النظام والوقوف مع الثورة؟ وبالمثل فإن وقوف بعض الفصائل العربية من الرقة مع كوباني وضد داعش، أعطى فكرة تقول، لا بد للعرب من الوقوف إلى جانب الكرد، وتطمينهم إلى أنهم جزء من سوريا المستقبلية.
الحقيقة تقول إن ضربات التحالف، وكل أشكال التدخل السابقة في الثورة كانت لتحقيق المصالح الإقليمية في سوريا، وليست لمصلحة دعم انتصار الثورة، وبالتالي، وكما ساهمت السعودية وقطر ودول أخرى في تسييد الجهادية وإضعاف العمل العسكري، ورهن عملياته بالقرار الإقليمي، فإن تبعية المجلس الوطني الكردي للحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وتبعية حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة مسلم لحزب العمال الكردستاني في تركيا، نقول إن هذه التبعية للخارج، منعت تشكُّل مشتركات عربية كردية ضمن سوريا. أي منعت تشكُّل وطنية جديدة، وتكون أرضية للثورة، ولتقدمها.
إذاً: سيخسر السوريون تباعاً ما لم يطلقوا مشروعهم الوطني، ويكون ممثلاً للثورة، ومطوّراً إياها نحو إسقاط النظام.
استمرار عامل الانقسام السياسي بين الكرد والعرب، استفاد منه النظام فقط، وحتى في حال سقوط النظام، فإن المستفيد منه هي الدول التي ستشرف على العملية السياسية القادمة. ما يقوي، ويخرج هذه اللعبة من أن تتحكم بها دول الإقليم ودول التحالف هو وجود توافق كبير بين الكرد والعرب، وبما يخص أهداف الثورة كثورة لمصلحة تحسين الوضع العام لكافة السوريين.
قد تسقط كوباني، وهي تشبه بذلك ما حل لمدينة القصير من قبل، وكما لم تحل قضية القصير، كذلك لن تحل كثير من القضايا، ومنها حقوق الكرد؛ فلن يأخذوها قبل سقوط النظام، والبدء بعملية سياسية تنهيه. نوضح هنا أن الأمر ليس متعلقاً بتنظيم داعش فقط، بل هو متعلق بكلّ تعقيدات الثورة؛ الآن، السوريون يقدّمون تضحياتٍ أسطوريةً في سبيل إسقاط النظام، فكيف سينظرون إلى من استقل بنفسه بعيداً عن سوريا؟ بل وحاول تشكيل إدارته في الوقت الذي تدمّر فيه المدن، وتقتل الناس بمئات الألوف؟!
أريد القول إن الكرد وسواهم، حينما يديرون الظهر لما يجري في بقية المدن، فإن هذا سيؤسس لعداوات مستقبلية، ولن تنجو منها في مرحلة لاحقاً. دول الإقليم كذلك لا تسمح إلا بالانضواء في إطار حدود الدولة الراهنة؛ نقصد هنا الإمكانيات الموضوعية، وليس التصورات الخيالية.
إذاً: كل المشكلات ستتكاثر لدى الكرد والعرب، ما لم يجدوا مشتركاتٍ سياسيةً، وتكون بمثابة عوامل جديدة لتقوية الصراع وجعله وطنياً من جديد، ورفض كل ميل نحو اللامركزية السياسية أو الطائفية السياسية، أو تحويل سوريا إلى دولة مستباحة بالكامل لمصلحة دول الإقليم والدول الامبريالية.
وأخيراً: هل يستطيع الكرد والعرب تجاوز الخلافات وإيجاد المشتركات؟ هذا ما يجب أن يحدث! وبغياب تحققه، فإن الجميع، وسوريا عامة ستكون تابعة لدول الإقليم، والعالم بأشكال لا حصر لها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث