الرئيسية / رأي / كوباني؟؟

كوباني؟؟

ثائر الزعزوع

في بلادنا التي يُصلَب القمر فيها كلّ يوم بفعل أنهار الدمع
التي تسيل من المآقي، بعد أن تفجرت ينابيع الدماء من كل حدب وصوب. في بلادنا التي
أعادنا إلى الحياة فيها مجموعة صبية خرجوا يبحثون عن كرامة لم يبحث عنها آباؤهم
وأجدادهم. في بلادنا التي اختلفنا فيها حول تسميات الجُمَع، وحول شعارات الثورة،
وحول الهتافات.

في بلادنا التي
ما زال ملايين من أبنائها ينحنون عبيداً لطاغية مجرم، ويسقطون معه كلّ يوم ما تبقى
من رصيدهم الأخلاقي، وهم يتحوّلون إلى شركاء صامتين في واحدة من أكبر جرائم العصر
الحديث. في بلادنا التي صار ثلثُ مواطنيها لاجئين مشرّدين، والتي تهدمت مدنها
وقراها،وطارت كأوراق عَصفَ بها الخريف. في بلادنا تلك البلاد الدافئة والموحشة نختلف
اليوم على “كوباني” يحدث أن هذه المدينة الصغيرة زادت من اختلافنا،
وقسمتنا بدل أن تكون سبباً في توحُّدنا، ويحدث أن نتبادل الشتائم فيما بيننا،
وكأننا أعداء، بل نحن أعداء فعلاً، وما كنا نفعله خلال ثلاث سنوات ونصف السنة هو
أننا كنا نمثل كذباً على العالم كي يصدقنا، فنحن لا نحب بعضنا البعض، ونتمنى أن
تنشقَّ الأرضُ، فيزول نصفنا ليبقى نصف آخر مستمتعاً بلا آخره الذي يكمله.

يحدث في تلك
البلاد التي لم تسر “أليس” في طرقاتها، ولا ضاعت في غاباتها، يحدث في
تلك البلاد التي شيعت عن بكرة أبيها حمزة الخطيب ومشعل التمو، وبكت بحرقة على
شيركوه كما بكت على غسان، وعدنان،وباسل، في تلك البلاد التي لم تعرف عيون أمهاتها
النوم منذ أن صار كل كائن فيها مشروع شهيد، في تلك البلاد التي لم يفرق البرميل
المتفجر حين انهمر من السماء خفيفاً بين عربي أو كوردي بين مسيحي أو مسلم، بين سنّي
أو درزي، في تلك البلاد يحدث أن تمزقنا كوباني بدل أن تجمعنا، ويزداد ابتعادنا عن
بعضنا البعض، وكأننا لم نهتف يوماً بحنجرة واحدة.

في تسعينيات القرن الماضي حدث أن زرتُ كوباني، وقتها كان
اسمها “عين العرب” فقط، لكن من التقيتهم فيها أخبروني أن اسمها
بالكوردية “كوباني” وقد أمضيت فيها يوماً سريعاً بتفاصيله، أذكر أننا
غنينا أغنية لشيفان، تعلمت بعض مفرداتها، وكانت تتحدث عن الحرية، ظللت أحفظ
الأغنية سنوات، ولم أفكر لحظة أن حلم شيفان ودلشاد وجوان أصدقائي يختلف عن حلمي
بالحرية، أنا أيضاً كنت أحلم بالحرية، وقد دافعت طيلة حياتي عن حق الكورد بأن يكون
لهم هويةٌ ثقافيةٌ خاصة، ولست هنا أحابي أحداً، أو أجامل أحداً، لكن هذا الأمر كان
وما زال يؤلمني، فما معنى أن تحرمك الدولة من حقك في الحياة، أو أن تتحدث لغتك،
وتقرأ كتابك الذي تحبُّ، وتكتب شعراً لحبيبتك بلغتك دون أن تضطر لترجمته إلى لغة
ثانية لا تحلم بها؟ كل هذا كان يؤلمني، لكن أغنية كوردية ما كان صداها يتردد في
ذاكرتي طيلة أكثر من عشرين سنة.

وحين حملت إحدى الجُمَع الثورية اسم “آزادي”
شعرت أني معني شخصياً بهذه التسمية، فعاد صوت شيفان ليتردد في أذني، وكأني أسمعه
اليوم، فلماذا فرقتنا كوباني بدل أن تجمعنا، وهل حقاً نحن مع أولئك الملثمين
الظلاميين ضد حلم كوردي بالحرية؟ وماذا تساوي حرية سوريا إذا أعادت إنتاج السيرة
نفسها من الإلغاء والتعالي سواء بسبب الدين أم القومية أم أي شيء آخر؟

ما يطفو على السطح الآن، وللأسف هو كم هائل من تبادل
الشتائم بين طرفين، لم يكونا أصلاً طرفَيْ نزاع، بل كانا حتى وقت قريب يمثلان
طرفاً واحداً في مواجهة طرف واحد لم يحدث أيُّ تفكُّك في بنيته الفاسدة المُؤسِّسة
على السلب والنهب، بينما الطرفان الآخران واللذان كانا طرفاً واحداً هما الطرف
القتيل الذي ينبغي أن يقاوم ما يحدث بتماسكه لا بتمزقه، وبينما النظام واقف يتفرّج
علينا، بل ويلملم شتاته،تزداد الهوة فيما بيننا اتساعاً، ونزداد تشتتاً، فماذا
يحدث لو أننا جميعاً قلنا وبصوت واحد: كوباني باقية وداعش إلى زوال، كما قلنا في
البداية: الثورة ستنتصر والنظام إلى زوال، وكما هتفنا بصوت واحد: عاشت سوريا،
ويسقط بشار الأسد؟ وهذا في الحقيقة أمر طبيعي، وليس خروجاً عن المألوف، ولن ينقص
من عروبة عربي أو يزيد في كوردية كوردي، فحلم الحرية واحد، ومفردة الحرية تقود إلى
طريق واحدة في نهايتها. أما الشوفينية والتعصب والشتائم والاستعلاء فلن تقودنا إلا
إلى حيث يخطط بشار الأسد وعصابته وهي أن يعود ليطل من قاسيون، ويرى دمشق تعانق
الشهبا، وساعتها لن يكون لدينا وقت لنبكي على كوباني، ولا على قامشلو، ولا على
البوكمال، ولا على الميادين، ولا على داريا أو بنش أو الشيخ مسكين، ساعتها سنكون
جالسين في مكان ما من العالم نتأمل الخريطة، ونقول: يا ليتنا!! وكلمة يا ليت عمرها ما كانت تعمر بيت، كما غنى
فريد الأطرش مرة. ناصروا كوباني، ولن تخسروا شيئاً، ناصروا شاباتها وشبابها، وهم
يدافعون عن أحلامهم، ليس مهماً أن يتحدّثوا العربية صدّقوني، المهم أن يؤمنوا
بالحرية.. أليست الحرية حلمنا جميعاً، أم أننا نسينا كل شيء في الزحام؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *