العميد الركن أحمد رحال _ محلل عسكري واستراتيجي /
كل الأنظار توجهت نحو مدينة “الرقة” مع بدء الحملة العسكرية التي أعلنتها “واشنطن” بحربها على الإرهاب، لتحرير المدينة من مخالب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. وقد أعدت “واشنطن” العدة وجهزت القوات ورسمت الخرائط وأوفدت خبراتها العسكرية (250 جندياً أمريكياً من القوات الخاصة، لحق بهم 250 جندياً آخر وصلوا منذ يومين للمطار الأمريكي الميداني في بلدة “الرميلان” جنوبي الحسكة) ليُشرف هؤلاء المدربون على ميادين وخطط التدريب، وأرسلت أمريكا الجنرال “جوزيف فوتيل” قائد قواتها في الشرق الأوسط، ليتأكد بنفسه من استعدادات “قوات سورية الديموقراطية” لخوض المعركة. لكن الجميع كانت أنظارهم على “الرقة” إلا “داعش” فعيونه كانت ترصد الطرق المؤدية لأيقونة الثورة السورية ورمزها بلدة “مارع” ومن بعدها بلدة “إعزاز”.
الحملة الأمريكية التي تبين فيما بعد أنها حملة “إعلامية” وليست “عسكرية” ولا تتضمن أي إجراء حقيقي على أرض الواقع، فمن غير المعقول أن تكون هناك جهود حقيقية تُبذل للسيطرة على عاصمة “الخلافة البغدادية” في مدينة “الرقة”، ويقوم تنظيم داعش ببعثرة قواته ونشرها لخوض معارك على الحدود الشمالية الغربية لسورية، أو فتح معركة في “مارع” لقتال “الجيش الحر” وبمسافة تبعد حوالي (175) كم عن مدينة “الرقة” لو لم تكن لديه “عيون وجواسيس” ترقب التحشدات والاستعدادات، ونقلت له أن الميليشيات الكوردية التي شاغلته في محيط بلدة “عين عيسى” هي وحدات رمزية وغير قادرة على أن تكون رأس حربة أمريكية في التقدم نحو مدينة “الرقة”. ونقلت للتنظيم أيضاً أن القوات الكوردية الرئيسة وأسلحتها الثقيلة تتجمع على الضفة الشرقية لنهر “الفرات” قرب سد “تشرين”، وتستعد للعبور نحو ضفته الغربية التي كانت محرمة عليها بموجب “الفيتو” التركي الرافض لإقامة كانتون كوردي في شمال سورية وعلى الحدود التركية الجنوبية.
تنظيم الدولة “داعش” الذي يعتمد في تكتيك قتاله الجديد على الانسحاب المباشر من المعارك المشكوك بسرعة حسمها مع التركيز على خوض المعارك والاحتفاظ بالمناطق ذات البعد الاقتصادي، كمعارك ريف حمص الشرقي (حقل المهر، حقل جزل، وحقل الشاعر)، لكن الولايات المتحدة الأمريكية وقيادة الميليشيات الكوردية تعلم علم اليقين أن قتال “داعش” للدفاع عن مقر “البغدادي” سيكون قتالاً شرساً يعتمد مبدأ الحرب الصحراوية على الحدود البعيدة عن أسوار “الرقة” مع استخدام المفخخات، وإذا ما اضطر للقتال داخل المدينة فسيكون تكتيكه المتبع هو “قتال شوارع” وقتال “حرب العصابات” مع الاستخدام المكثف للانتحاريين والانغماسيين والتركيز على حرب التلغيم للمباني والشوارع والنقاط الحاكمة، وكلها أساليب يُبدع فيها ويتقن استخدامها مقاتلو “داعش”، وهذا ما جعل “صالح مسلم”، رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الذي تشكل “قوات سورية الديموقراطية” ذراعه العسكري، يقول: لسنا مستعدين لمعركة “الرقة”.
ما الذي دفع تنظيم الدولة “داعش” لفتح معركة “مارع”؟؟؟
من المؤكد أن غرفة عمليات التنظيم وقادته قد اكتسبوا خلال سنوات قتالهم في سورية خبرات قتالية محلية تضاف لمعارفهم وخبراتهم التي استقوها من جيش البعث العراقي وهم القادمون من صفوفه، وبالتالي لديهم من الفكر والمعرفة العسكرية ما تجعلهم يكشفون خطط العدو ويبنون من الخطط ما يمهد الطريق لتحقيق أهدافهم.
وفتح معركة “مارع” كان لها أكثر من مغزى وهدف عسكري، فبقدر ما كانت تهدف لتخفيف الضغط عن جبهة “الرقة” والإمساك بزمام المبادرة والتحكم بساحات المعارك، أيضاً كان لها هدفٌ آخر يريد القول: إن “داعش” ما زال يملك القدرة على توسيع جبهات القتال والذهاب لأبعد من تصوراتكم بقدراته وإمكانياته. والمعركة في “مارع” تهدف أيضاً إلى تشكيل عمق جغرافي يتيح المناورة ويعمّق خطوط القتال وترك المساحة الكافية لأنساق التنظيم الثانية للمناورة وعدم التقوقع داخل مدينة “الرقة” التي تعني حصاراً مميتاً لن يخرج منه رأس “البغدادي” سالما. والتنظيم يدرك أن ميليشيات سورية الديموقراطية لديها جناح مُبعد خلف أسوار الجيش الحر في “عفرين” و”تل رفعت” والجزء الشمالي الشرقي من ريف حلب، وإذا ما انتقلت قوات “مسلم” إلى الضفة الغربية لنهر “الفرات” فهذا يعني وقوع قوات “داعش” بين فكي كماشة “كوردية” ستضيق عليها الخناق حتى الموت بدعم جوي من الغرب ومن روسيا أيضاً.
لتحقيق كل تلك الأهداف انطلقت أرتال “داعش” نحو مدينة “مارع” والقرى المحيطة بها، والتي تدافع عنها فصائل “الجيش الحر” المحروم من أية أسلحة ثقيلة أو إمكانيات قتالية تؤمن له التمهيد أو الدعم أو الإسناد الناري اللازم، ومحروم أيضاً من أي غطاء جوي يدفع عنه مفخخات “داعش” التي كانت تشكل طليعة أرتاله المتقدمة نحو البلدة.
“الجيش الحر” الذي كان قدره أن يقاتل بأصعب أنواع القتال وهو القتال الدائري، وزاد عليه قلة العمق الاستراتيجي للمناورة والتي منعت وجود أنساق ثانية تكون عوناً له في قتاله، وسنداً له في ساعات حربه الشرسة، فميليشيات “صالح مسلم” تحيط به من الغرب، وميليشيات ” الأسد” تشكل جبهته الجنوبية، وميليشيات “البغدادي” تغلق عليه الجبهات الشرقية والشمالية، أما وجود المدنيين فقد شكل عبئاً معنوياً ضاغطاً (15 ألف مدني داخل مارع و170 ألفاً على الحدود التركية قرب إعزاز).
ما أفرزته معارك اليومين الأخيرين وسيطرة تنظيم “داعش” على معظم القرى المحيطة ببلدة “مارع” والحصار الذي فُرض عليها لم يُزعج أحداً غير الثورة، فلا تركيا ممتعضة من تقدم “داعش” ولا الولايات المتحدة الأمريكية تشعر بتأنيب الضمير على إيصالها فصائل “الجيش الحر” لهذا الضعف.
تركيا تعلم أن ما سيطر عليه تنظيم “داعش” كان سيؤول للميلشيات الكوردية أمام تغير الأولويات الأمريكية ونقضها للتوافقات التي كانت أبرمتها ووعدت بها حكومة “أنقرة”، لذلك لم تبدِ القيادة التركية كثير اهتمامٍ بما يحصل على مقربة منها وعلى مرأى من مناظير جنودها على حدودها القريبة من “مارع”.
تركيا تشعر أنها طُعنت من أمريكا ومن معظم دول الغرب عبر حلف شمال الأطلسي الذي تخلى عنها في خلافها مع روسيا ومع أمنها القومي المهدد، فالـ”شنكن” الأوروبية التي ارتبطت بالتزام تركيا بقفل المعابر والحدود أوفت بشروطها، والـ (600) كم من الحدود مع سورية والتي طالبت أمريكا بضبطها تمت، والقاعدة الجوية “انجرليك” فتحها الأتراك أمام الطيران الأمريكي وطيران التحالف الدولي للحرب على الإرهاب، لكن تركيا لم تأخذ شيئاً بالمقابل سوى وعود غير قابلة للتنفيذ (حتى الآن)، وحتى متطلبات أمنها القومي خرقتها أمريكا بالتحضير لمنح أكراد سورية كانتوناً مستقلاً على حدودها الجنوبية مع ما يشكله هذا الأمر من مخاطر جسيمة ستنعكس على أمنها الداخلي أيضاً.
أمام هذا الواقع فالخارطة العسكرية والسياسية تقول:
من المؤكد أن جبهات شمال حلب والجيش الحر ليست على أفضل ما يرام، ومن المؤكد أن ما يحصل على الضفة الأخرى من الحدود السورية_التركية ليس بالحالة التي كانت ترغب بها وتتمناها تركيا، والقراءة المستقبلية لا تُبشر بالخير إذا ما استمرت السياسة الأمريكية والروسية على نفس المنوال. وبالتالي فكل ما يحصل ليس بصالح تركيا ولا بصالح جمهور الثورة السورية، وما تأخرت عن فعله تركيا وترددت به تدفع الآن ضريبته، لكن الأمر ما زال ضمن حدود التعويض.
أمام المخاطر المحدقة بالأمن القومي التركي، وأمام انعكاسات ما يحصل على الحدود على وضعها الأمني الداخلي، وأمام خطورة الوضع بالنسبة للثورة السورية من احتمال التقسيم أو إجهاض الثورة، فخندق التموضع أصبح واحداً لتركيا والشعب السوري الثائر، وانتفاضة تركية وخروجها عن قيود العباءة الأمريكية أصبحت واجبة.
فإما أن تتدخل تركيا بضغط سياسي مثمر ومضمون أو تلجأ مضطرة لتحرك عسكري فاعل، والجيش الحر لن يخذلها وهو شريكها، وبعض الدول العربية التي ما زالت تحافظ على وعودها للثورة لن تتخلى عنها، وبالتالي فـ”تركية” أمام أحد خيارين:
إما أن تفرض أجندتها وتدخل دائرة القرار، أو تكون جزءاً من فطيرة على طاولة التقسيم.
السيد الرئيس “أردوغان”: الكرة الآن في ملعبك … وأنت خير من يقتنص الفرص ويجيد المناورة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث