الرئيسية / رأي / الرايات السوداء والثورة البيضاء

الرايات السوداء والثورة البيضاء

ثائر الزعزوع/

لعله من المفيد التذكير أنني، وأقولها للمرة الألف ربما، ليست لدي أي مشكلة مع الإسلام، ولا أناصب المسلمين العداء. وهذا الكلام أقوله ليس لتبرئة نفسي من تهمة قد أتهم بها، ولكن، كي يكون كل شيء واضحاً وجلياً، فأنا أتحدث، تحديداً، عما حدث بسوريا، وبثورتها، وعن أولئك المرتزقة الذين أساؤوا لثورتها التي آمنا بها خلاصاً من الاستبداد والطغاة، لا لنمهد الطريق عبر أجساد أبنائنا وحياتنا ومستقبلنا لصعود مستبدين وطغاة جدد، لا يقلون عن النظام المستبد، ويرتدون مثله تماماً ألف قناع. ولأني لا أريد الخوض في مهاترات من نوع هل أنت ضد الإسلام، أو هل أنت ضد الحكم الإسلامي، فأنا أولاً وأخيراً أؤمن بالدولة المدنية القادرة على وضع دستور يعطي الحقوق لكافة أبنائها مهما اختلفت انتماءاتهم وعقائدهم وألوانهم، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، عرباً أو من جزر الهونولولو. ولعله من المفيد القول أيضاً إن آلاف المرتزقة الذين جاءوا إلى سوريا بزعم الجهاد هم من حملة جنسيات أجنبية أوروبية كافرة، أو أميركية متصهينة، وهم عاشوا وتمتعوا، نعم تمتعوا، بحقوقهم كمواطنين في تلك الدول، ثم قطعوا علاقتهم بهوياتهم التي اكتسبوها وأتوا إلى بلادنا ليعيثوا فيها فساداً تحت ذريعة الجهاد، وأي جهاد ذلك؟

ولأن النظام القاتل يفهم مثل هذه المعادلة، فقد لجأ باكراً إلى زرع مجاهدين وهميين أمام عدسات الكاميرات من أجل تحويلهم إلى بعبع يخيف به العالم من الثورة السورية، التي يقبع واحد من أنبل رجالها على الإطلاق في معتقلاته، وهو المحامي المسيحي خليل معتوق، وأعتذر من العزيز خليل معتوق لقولي إنه مسيحي في أثناء الحديث عنه، ولكني أردت أن أوضح أن الثورة سورية، فيها سوريون من كل الطوائف وكل الانتماءات وكل القوميات التي تشكل سوريا، وأن تحولها إلى أرض “جهاد” و”رباط” أفقدها بريقها المشع، مؤقتاً، وأصر على القول مؤقتاً، لأني واثق أن كل ما نراه الآن من خراب مصيره الزوال، لأنه زبد طارئ “فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

ولأن “الجهاديين” مازالوا مصرين في كل ظهور لهم على أنه لولاهم لما استطاع الشعب الصمود، فسأطلب منهم أن يحترموا عقولهم لا عقولنا، ويديروا رؤوسهم ليبصروا ما حل بسوريا منذ ظهورهم وحتى الآن، دون أن أتحدث عن اقتتالهم وهرولتهم باتجاه الغنائم، واستيلائهم على أرزاق الناس وبيوتهم في بعض المناطق، بل وقيامهم باحتلال الكثير من البيوت التي هجّروا، هم أو النظام، الأمر سيان، أهلها منها، ليسكنوا فيها. وقد ذكرت هذا الأمر مفصلاً في مقالة سابقة، فالشعب صمد لا بسببهم ولكن بسبب إيمانه بثورته وحقه في الحياة، ولم يساعد شرعيوهم ولا منظروهم شعبنا في فهم معنى الكرامة، لأن شعبنا ومنذ اليوم الأول للثورة، أطلق عليها تسمية ثورة الكرامة، ومن ثار لأجل الكرامة لن ينتظر “مجاهداً شرعياً” ترعرع في كهوف تورا بورا، أو تلقى دروسه في سجون المخابرات الأميركية التي كان عميلاً لها في العراق، ليعلمه معنى الكرامة.

ولأن أولئك الذين يعملون وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وهو المبدأ الانتهازي القميء الذي يجعلهم يرفعون راية الرسول الكريم لخداع البسطاء، يظنون أن البسطاء يمكن أن تنطلي عليهم مثل هذه الألاعيب السخيفة، فإنهم لم يخدعوا أحداً، ولكن ما حدث أن الشعب المتروك وحده مجبر على التعامل معهم. فهم يرتكبون الجرائم باسم الدين؛ يحللون ويحرمون كيفما يحلوا لهم، لا يمنعهم رادع أخلاقي أو إنساني عن فعل أي شيء. وحين أقول أي شيء فهذا يعني أنهم لم يتأخروا عن عقد صفقات سرية قذرة مع قوات النظام، بل وحتى مع الميلشيات الطائفية التي تقاتل معه لأجل مصالحهم الشخصية، ومصالح كتائبهم ومخططاتهم، لأنّ لكل كيان منهم مخططاً يختلف كلياً عن مخططات الآخرين، وهو يختلف بطبيعة الحال عن أحلام السوريين.

ولأن مفردة الحرية هي الشعار الأول الذي رفعه السوريون في ثورة الكرامة، فإنها الشيء الأول الذي حاربه الجهاديون، بل واعتقلوا كل من يرفع رأسه في وجوههم، وصرخوا “وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم” بعد أن نصبوا أنفسهم أولي أمر على الناس، وصاروا يتحدثون بلسان السلطة، ويتصرفون مثلها؛ منعوا الصحف، وحطموا أبراج الإذاعات الثورية، وكانت تهمتهم الجاهزة: هؤلاء يبثون أفكاراً علمانية. مع إنك لو سألت أكبر “مشايخهم” عن معني العلمانية، لرد عليك إنها الكفر والإلحاد والعياذ بالله.

كفر وإلحاد ورايات سوداء ومعتقلات، وتعزير، ووو القائمة تطول، كل هذا لخنق الكرامة والحرية، لكنهم لن يفلحوا، أنا واثق أن شعبنا سيكنسهم كما سيكنس النظام الذي يستفيد منهم ويستفيدون منه، وهم وجهان لعملة واحدة… والثورة ستنتصر رغماً عنهم.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *