حافظ قرقوط
ما لم تقله كان واضحاً، يسردُ عن نفسه حكايا، وحكايا من بين تلك الالتفاتات التائهة، وتلك العبسات
التي تتناوب في الإيحاء ما بين تنهيدة وأخرى، هناك حيث الموت لم يعد حدثاً لفراق،
بل لغثيانٍ يهطل فوق الأسئلة المتراكمة،حين وضع المجهول من الأيام ثقله على كاهل
الناس.
أم حازم، سيّدة في عقدها السادس، وكأنّها تعاقدت مع ثوبها الأسود معلنةً
حالة حداد منذ قرابة ربع قرن،حينها كان حازم في عامه الرابع عندما ودّعت أبا حازم
شهيداً لأجل مبادئ لا يعرفها، بل تعني قصور القرار الرئاسي، عندها كان قرار الحرب
على ضابط لبناني اسمه “ميشيل عون”، فقضى أبوحازم، وأُعلنوه شهيداً!!
لم يرَ أحدٌ جثته، وبقي التابوت
مقفلاً، حيث الوداع كان لخشبمغطّى بعلم سوريا، ارتدت ثوبها الأسود، وابتدأت مسيرتها
الجديدة في تربية حازم وأخته ابنة العامين ورضيع عمرُه شهر، لا دخل يكفي لتربيتهم،
لا بيتَ يملكون سقفه وبابه ليضمّهم، لا أمانَ للمستقبل، فابتدأت تطرق أبوابَ
المتنفّذين كي يسعفوها بعمل ما، وفعلاً بعد رجاء ورجاء، حصلت على عملها كمستخدمة
في مستوصف، مرَّ العمر، وكبر الأولاد، وتزوّج حازم، وأصبح أباً، والقصر ذاته أعلن
حرباً جديدة، لكن في ساحات الوطن، وعلى الوطن، وضريبة العمر التي دفعتها أم حازمبفقدان
زوجها بصراع مصالح لا ناقة لها فيه، ولا جمل أدخلتها أيضاً في المراوحة بدائرة
الفقر.
عاشت وأولادها ضمن ثوب البساطة، عندما جاءت لجنة التحقيق العربية، خدع البعثيون
في فرقة الحزب حازم بنيله وظيفة إن قابل اللجنة، وقال لهم: إن الإرهابيين يحاصرونهم،
أقلوه وأقرانه بسيارتهم وتركوهم في الشارع، واختبؤوا، لم يعِحازمٌ والشباب خطورة
الأمر، حيث رماه عناصر الأمن بقنبلة كي يقنعوا لجنة التحقيق بوجود الإرهاب، غرزت الشظايا
أظافرها في جسده، وعاد لأمه وزوجته بحالة يرثى لها، لا عناية، لا دواء، ولا شيء
إلا دعاء أمه، زارته فرقة الحزب لتُداري فعلتها، وبقيت آمال الوظيفة معلّقة،
استدانت أم حازم لعلاجه، وتعافى، فجاءت الوظيفة”شبّيح براتب”، رجته،
أغلقت الباب أمامه، كادت تقبل يده، ذكّرته بموت والده، وأشارت له لولده الصغير كي
لا يتربّى يتيماً كما عاش هو، لكنه أبى أن ينال رضى أمٍّ، أنفقت عمرها بترقُّب
الفرح، أقسمت أن لا تكلّمه طيلة عمرها.فاستسهل القفز فوق الرجاء، وغادر لقطع الطرق،
واستباحة جيران الأمس.
مرّتالأيام والأشهر، وبقيت أم حازم على ماحذرته منه من
جفاء الكلمة، حاول إرضاءها ببضعة آلاف، لكنّ صمتَها كان أبلغَ ودموعها توجز
الحكاية. أكلها الهمُّ، ونحل الجسم، واستباحها الترقب، وكأنها في موسم قطاف جنازة
قادم، وهذا ما كان.
في ساعة متأخّرة من يوم جمعة، جاءها الخبر، وفي ساعة الظهيرة من جمعة جديدة،
جاءتها جنازة لفت بالعلم ذاته الذي لُفَّ به والده منذ سنين، وبالطريقة ذاتها، حيث
يمنع فتح النعش، أي جسد هنا لاتدري؟ وأي وداع لخشب جديد ستودّع؟ هل تزوجت خشباً،
وأنجبت خشباً؟.
قطرات دموعها التي كانت لا تنقطع طيلة تطوُّعه، همدت على غفلة، وجفت
ينابيعها، حلفت نساء الحي أنهنّ توسّلنَها لكي تبكي، لكنها أصبحت خشباً كنعش من
لحم بلا روح، مرّت الأيام على وجهها الشاحب رويداً رويداً، وحجزت لنفسها مقعداً
على باب منزلها، لا ترد السلام، ولا تسمعه ربما، ظن البعض أنّها جنّت، والبعض ظنّ
أنها على حافة موت سريري، ذهب شهر، وجاء آخر، وفي ليلة لا ضوء فيها تسلل نحوها ضوء
تلفاز من نافذة جارة، وصوت مذيع يتلو أخبار انتصار، وقفت، وأطلقت نظرها كسهم نحو
الهدف، ثم همّت تحاول المسير لكنها لم تقوَ، تسمّرت في المكان للحظة، ووقعت أرضاً
كقطعة خشب، إذ لم تشهق حتى بكلمة”آه”، وهمدت إلى الأبد، لكن جثتها كانت
بلا علَم، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة استهزاء، لعلها من خبر، أو من حياة، أو أملٍ
صُنِع من خشب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث