رغم كلّ ما حدث أراني متفائلاً، أعكف على قراءة تاريخ
أوروبا بشيء من التأمل، فليس التاريخ كتاباً للترفيه، لكنه درسٌ للتعلُّم، ولعل
قراءةَ تاريخ أوروبا التي ننظر إليها جميعاً بشيء من الإعجاب بل، والدهشة تجعلنا
نتساءل: ما الذي فعلوه، كي يصلوا إلى ما وصلوا إليه، وما الذي فعلناه كي ننحدر إلى
ما انحدرنا إليه؟ الحقيقة، هم فعلوا الكثير، لا لأنفسهم فقط بل بنا أيضاً، ولو
أردنا محاكمة ما مرَّ بهذه البقعة الجغرافية التي حصرها “عبد الرحمن منيف”
في “شرق المتوسط”، لما استطعنا حصر وإحصاء الكوارث التي نعيشها،
وتفاءلنا قليلاً بما نمرّ به من تحوُّلات استثنائية بدل هذه الحالة المزرية من
التشاؤم التي تعترينا.
فنحن في الحقيقة،
كنا نعيش وسط خديعة كبرى اسمها “الوطن والدولة”، ونحن ببساطة لا نمتلك
أية مقوّمات من مقوّمات الدولة، على الإطلاق، فقد انتقلنا من مرحلة الحاكمين
المطلقين بأوامر سماوية إلى مرحلة الحاكمين المطلقين بأوامر سماوية أيضاً، فقد وجد
الحاكمون دائماً ملاذاً آمناً لأكاذيبهم وديكتاتوريتهم في فتاوى، يجود بها علماءُ
دين شكّلوا سلطة بغيضة على مدى قرون، حتى تحوّلت بلادنا إلى إقطاعيات مفتوحة،
للحاكمين يصولون، ويجولون فيها كيفما شاؤوا، وتفكك شيئاً فشيئاً مفهوم الدولة،
وانهارت نظمنا الاجتماعية والثقافية بسبب ارتباطها بتلك المؤسسات الراديكالية
والتي تحرص على عدم التطور، أو بسبب صدامها معها ما خلق لديها حالة من اللاإبداع.
ولعل قراءة التاريخ تحيلُنا بالضرورة إلى الدّرس الأول
من دروسه، وهي أن لا دولاً قوية تبنى بالشعارات والخطابات، ولا بالعنتريات
الكاذبة، فأساس بناء الدولة هو ذلك الصراع، الذي قد يأخذ شكلاً دموياً، كما حدث في
الثورة الفرنسية على سبيل المثال، وستكون نتيجة هذا الصراع بالضرورة شكلاً جديداً
مختلفاً كلياً عمّا كان سائداً، وما كان موجوداً قبل انطلاق الثورة، ومعنى الدولة
القوية وفق المفهوم المعاصر للكلمة لا يشبه معناه قديماً.
فالدولة القوية
هي ليست تلك الدولة التي تملك جيشاً عرمرماً يقوده قائدٌ شجاعٌ، حقّق انتصاراتٍ
وهميةً، وخاض حروباً على الورق، والأمثلة كثيرة في شرقنا المتوسط بدءاً بالبطل عبد
الناصر، مروراً بالأكثر بطولة القذافي وصدام حسين وصولاً إلى قادة البطولات بشار
الأسد وعبد الفتاح السيسي فكلاهما بطل، يا سبحان الله، خاضا حروباً، و”قتلا”
أعداء الوطن، و”حرّرا” الأراضي المغتصبة، فعاش الشعب في ظلّهما نعيماً
ما بعده نعيم، ولعل ما استطاعت الثورة السورية تحقيقه رغم التضحيات الكبيرة
المستمرة هي أنها حطّمت جميع الأصنام لا بضربة واحدة فقط، بل بضربات ملاحقة،
وانهارت مقدسات وهمية،صُنعت إما في أقبية المخابرات المظلمة أو عبر وسائل الإعلام
الرخيصة التي لا تشوّه التفكير فحسب، بل تشوّه كلَّ شيء.
وقد رفع السوريون مبكراً شعارات التحطيم تلك فبدؤوا
بالإعلام والجيش والشرطة وعلماء الدين المنافقين، وانهارت تلك الأصنام شيئاً
فشيئاً، وبحث السوريون عن بدائلهم الخاصة، فلم يقبلوا بمعارضة تعيد إنتاج النظام،
ولعل المتابع لحملات إسقاط المعارضة والنقد الذي يطال الرؤوس البارزة فيها، يدرك
أن السوريين لن يقبلوا سلطاناً بعد الآن سوى سلطان القانون، صحيح أننا نعيش فوضى
ما بعدها فوضى، لكن علينا أن ننتظر حتى ينجلي الغبار، أليس هذا أفضل؟ ولا نكون
متشائمين إلى الدرجة التي تجعل بعضنا في لحظة يأس وضعف يلعن الثورة، فالثورة هي
الحقيقة الوحيدة التي شهدتها أجيال متلاحقة، وما عداها كان عبارة عن تزييف وخداع،
فلا الكرامة كانت موجودة، ولا الأمان كان موجوداً، وعودوا بذاكراتكم قليلاً إلى
الوراء، لا تتذكروا جلسة في بار في باب توما، بل تذكروا عشرات الآلاف من النازحين
من الجزيرة السورية بسبب الجفاف، تذكّروا مدارس تشبه معتقلات، تذكروا خدمة إلزامية
تكرّس الذل والإهانة والعبودية، تذكروا مئات الآلاف من الأكراد المكتومين، تذكروا
عبودية آلاف المعتقلين السياسيين، تذكروا وجه رجل الأمن، شرطي المرور المرتشي، ممرّضة
المستشفى التي تبيع الدواء في السوق السوداء، تذكّروا المدرّس الذي لا يعرفه طلابه
لأنه مدعوم، تذكّروا مدير المدرسة الذي كان يشتم، ويلعن وكأنه قائد عام للجيش
والقوات المسلحة، تذكّروا الفيلات الفاخرة التي بناها الضباط الفاسدون والوزراء
والمدراء العامون، تذكروا ألمكم وأنتم تراوحون مكانكم طيلة أربعين عاماً، تذكروا
كم دفعتم ثمن فيزا عمل في دولة خليجية كي تستطيعوا تأمين بيت تسكنونه في وطنكم بدل
أن تظلوا مستأجرين طيلة حياتكم كما عاش آباؤكم؟؟ تذكروا، وتذكروا… تذكروا كل هذه
التفاصيل قبل أن تتفوهوا بكلمة واحدة تلعنون فيها هذه الثورة المباركة، فرغم الألم
ما زالت الثورة تسير، توقفت، تعبت، تعثرت، تراجعت، لكنها قادرة على النهوض ومتابعة
الطريق، هل قرأتم عن تاريخ صُنِع بالتمنيات والأحلام؟ هكذا تُبنَى الدّوَل القوية،
ولنعد إلى الدول القوية قليلاً، لعل الكثيرين لا يعلمون أن سويسرا لا تمتلك نفطاً،
ولا لديها شعارات، وأن رئيس جمهوريتها ليس بطلاً، ولا قائداً عظيماً، بل هو مواطن
عادي، وأن سويسرا هذه الدولة التي استقبلت مئات اللاجئين السوريين لا تمتلك ربع
الإمكانيات التي تمتلكها سوريا التي كانت تنوء بفعل موجة جفاف، ويتشرّد أبناؤها،
وأن سويسرا يحمل جنسيتها أشخاصٌ من مختلف القوميات في العالم، بينما ضاقت سوريا
على أبنائها الأكراد، وحرمهم نظامها “المقدس” حقَّهم، وأن … وأن…
سويسرا ببساطة دولة لديها قانون وهو المقدس الوحيد لديها.
ما زال أمام
الثورة السورية الكثير من المقدسات لتحطيمها، وهي ثورة مباركة، ولو كره الكارهون.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث