الرئيسية / رأي / الثورة مستمرة

الثورة مستمرة

ثائر الزعزوع 
قد أكون الأكثر ترحيباً بضرب تنظيم داعش، وكنت منذ البداية ضده، وأعلنت موقفي هذا عبر صدى الشام مراراً وتكراراً، وفي منابر إعلامية أخرى، واعتبرت التنظيم المذكور الذي يحمل راية الإسلام زوراً وبهتاناً خطراً كبيراً لا على الثورة السورية بل على سوريا حاضراً ومستقبلاً، وهو لا يقلُّ خطورةً وإجراماً عن نظام آل الأسد، وقد أثبت الداعشيون على مدى سنتين تقريباً أنهم حملوا السلاح ليخربوا، ويدمّروا ويسيئوا لكلِّ ما هو سوري وإنساني، فاعتقلوا، واختطفوا، واغتالوا، وحطموا، ودمروا، فنأت تحت وطأة “قذارتهم” مدننا المحررة، وفرَّ الثوار الحقيقيون، وبحثوا عن ملاذات آمنة بعد أن صاروا مطلوبين للداعشية التي وصمتهم بالردة والإلحاد، وأقامت الحدَّ على بعضهم، وما زال حتى يومنا هذا مصير الأب باولو مجهولاً، وهو الذي ذهب بحسن نية ليفاوض الداعشيين فاعتقلوه، كما هو مصير عددٍ من إعلاميي الثورة وناشطيها. 
وانتشرت عبارة “التشويل” كمعادل موضوعي للمصير الذي ينتظر كل من يقف في وجه تنظيم داعش، أو يختلف معه، فما بين رفّة عين وانتباهتها يوضع الشخص في “شوال” ويختفي، فلا يعود معلوماً مكانه ولا مصيره. وفي خطبة له شهيرة ألغى زعيم هذه العصابة المارقة المدعو أبو بكر البغدادي وجود سوريا والعراق، ورحب بكلِّ من هبَّ، ودبَّ في دولته الإسلامية المضحكة، وكان “مجاهدوه” قد دخلوا أصلاً وأعملوا سكاكينهم في رقاب الناس.
ولأننا نحن السوريين لا حول لنا ولا قوة فيما يحدث الآن من تحالف دولي ضد “الإرهاب” ولم يستشرنا أحد لا في هذا التحالف ولا في موعده أو أهدافه، ولم يطلب رأينا أحد في كل ما يحدث، فإننا نجلس الآن مرتبكين ما بين رفضنا الكلي لتنظيم داعش الإجرامي، وبين خوفنا على ما تبقّى من سوريا، ونحن نرى بأمّ أعيننا الصواريخ تنهال على مدننا وقرانا، فتدمر ما تبقّى من رمق للعيش، ولا يستثني القصف مدرسة أو مستوصفاً طالما أن هذا الموقع مصنف على أنه موقع لداعش، طبعاً الأمر نفسه فعله نظام الأسد طيلة ثلاثة أعوام، فاستباحت طائراته كل شيء، وانهمرت براميله المتفجّرة على الأحياء السكنية، والمدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس فلم تبق، ولم تذر، وتتشابه تماماً ذريعة النظام مع ذريعة قوات التحالف فالقصف، إعلامياً، يستهدف مواقع الإرهابيين، لكنه واقعياً يحول المدنيين إلى لقمة سائغة للصواريخ، ويزيد الرعب والخوف والألم في نفوس الأطفال، وقد رحّب النظام وبطريقة مثيرة للضحك ببدء العملية العسكرية، واعتبرها استكمالاً لمشروعه العالمي لمكافحة الإرهاب، وبدأت وسائل إعلامه تُسوّق للحملة التي كانت قد اعتبرتها قبل أسابيع فقط مؤامرة، وهددت بأن تتصدى، ثم تبخّر كل شيء، ووجد رأس النظام في هذا التحالف الدولي فرصة مثالية له ليبقى جالساً على كرسيه، ولتحترق سوريا بأهلها، فبادر هو أيضاً للترحيب، ولم يعد يتشدق لا هو ولا حلفاؤه بالسيادة الوطنية، أو الأجواء السورية المقدسة، فانتازيا قد تكون الأولى من نوعها في تاريخ البشرية، فالدول التي تشارك في هذا التحالف هي نفسها دول المؤامرة الكونية، بدءاً بواشنطن مروراً بلندن وباريس وصولاً إلى الرياض، فلماذا لم يعتبر النظام ما يحدث جزءاً من المؤامرة عليه؟ وهل ستقوم قوات التحالف الدولي بعد أن تقضي على “داعش” بتسليم سوريا للأسد مرة أخرى؟ وهل جاءت أصلاً لتخدم نظامه، وتوطّد علاقتها به، كما يسوق إعلامه، أم أن نظامه انتهى كما أعلن الرئيس الأميركي مرات عديدة؟ هذه الأسئلة هي التي يطرحها السوريون على أنفسهم كلَّ لحظةٍ، وهي التي تجعلهم مرتبكين غير قادرين على تحديد موقفهم ممّا يحدث فوقهم.
دعونا نستثنِ ناشطي الفيسبوك من حساباتنا، وخاصة أولئك الذين يقيمون في دول بعيدة، ولنحاول الاقتراب من الأرض قليلاً، لم لا؟ 
تقول الوقائع إن داعش احتلت المناطق المحررة، وقتلت عناصر الجيش الحر، وأغلقت المدارس، وطاردت نساءنا وبناتنا، وهجّرت المسيحيين، وارتكبت الفظائع بحق الإيزيديين الأكراد، وهي تسعى لإعادة سوريا والعراق إلى عصور الظلام، وهذا الكلام ليس قراءات إعلامية، لكنّه شهادات مأخوذة عن الأرض، فقد استعمرنا الداعشيون، ولسنا سُذَّجاً كي ننخدع براية الإسلام التي يحملونها، فقد حطمت الثورة السورية جميع الشعارات والأكاذيب، بدءاً بالصمود والتصدي، وصولاً إلى إقامة دولة العدل التي يسعى البغدادي لجعلها واقعاً، لأني أجزم أن البغدادي نفسه، وبعد أن يُنهِي خطابَه الموجَّه للأمة يجلس ليضحك مع معاونيه من عناصر المخابرات العراقية السابقين، وهم يرون الخراب عاماً شاملاً، فهم أيضاً أقسموا في يوم من الأيام على “صدام أو نحرق البلد” تماماً، كما أقسم مناصرو الأسد على ذلك، وسوريا تُحترَق، هذه هي الحقيقة التي علينا أن نعترف بها، بل إن سوريا لم تعد سوريا، لقد صارت سوريات، وقد برَّ مناصرو الأسد بقسمهم فأحرقوها، فما الحل؟ وهل كان علينا أن ننتظر معجزة من السماء كي تخلِّصنا؟ وللمعلومة فقط، نحن لسنا في زمن المعجزات، الأمر الواقع يقول إن الضربات مستمرة، وإن أمدَ هذه الحملة العسكرية قد يطول، وإن الأسد قد يستعيد عافيته لأن منابع تمويله ما زالت قادرة على إعطائه، فهل نؤيد الضربة أم نعارضها؟ أم نعود إلى الثورة التي نسيناها في هذا الزحام؟ أعتقد أن عودتنا إلى الثورة ضد النظام وضد كل ما هو خارج عن الثورة، ولا يحمل رايتها هو الحل الذي لم يفكر به الكثيرون… ولنضع شعارنا من جديد: الثورة مستمرة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *