الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / هدنة مع النظام أم لأجل النظام؟

هدنة مع النظام أم لأجل النظام؟

حافظ قرقوط
كثيرة تلك التخمينات والتحليلات التي تزاحمت منذ إعلان أوباما عن تشكيل حلف لمواجهة داعش، بعضها ذهب باتجاه أنه حلف يرمي لتفيت المفتت داخل الدولة الواحدة، وبعضهم رآه مراسم دفن لخرائط سايكس بيكو وإعادة ترتيب دول جديدة لها ثقل من نوع آخر، وهناك من ذهب نحو تجريد المنطقة كلها من هويتها العربية ووضعها تحت وصاية فارسية إسرائيلية تركية تضمن مصالح الدول الكبرى، إذ لم يقدّم العرب حتى الآن أي نموذج لبناء دولة صاحبة مشروع غير مشروع الدولة الأمنية التي تصدر الإرهاب، أصحاب هذ الرؤية الأخيرة هم بالتأكيد لا يسوقون للمشروع الإيراني الإسرائيلي على أنه مشروع حضاري بل هي أيضاً دول أمنية، لكنها امتلكت أوراقاً هامة للتأثير والمساومة، لكن آخرين يرون أن أميركا لم تعد بحاجة إلى وسيط وهي ستبدأ بترتيب المنطقة بما يلائم مصالحها الاقتصادية والأمنية عبر أساطيلها المنتشرة بالبحار وقواعدها العسكرية المتمركزة في المنطقة، أياً كانت الخيارات المطروحة على طاولة أصحاب القرار الأميركي، فيجب القول إن الثورة السورية هي التي حركت كل تلك الخيارات والتكهنات، فهذه الثورة التي انتصف عامها الرابع، وتُرك خلالها الأسد طليق اليدين باختيار الأدوات والأسلحة التي كان من المفترض أن تمكنه من القضاء عليها، هي في الحقيقة ما يجب التكهن بما ستقرره بمصير المنطقة وليس العكس، فثبات الثوار وعمق تجربتهم إضافة إلى أنهم أصحاب قضية عادلة وأصحاب الأرض، ويمتلكون جغرافيا واسعة ومنفتحة، مع تنوع في التشكيلات التي تحتاج إلى تنوع في طرق ضبطها، هؤلاء الثوار هم ضامن النجاح أو الفشل لأي مشروع في المنطقة، وإن كانت إدارة أوباما تحاول تمييزهم ما بين متطرفين ومعتدلين وغير ذلك فإنها في حقيقة الأمر تدرك أن حتى أولئك المتطرفين لا يمكن ملاحقتهم فرداً فرداً، أما الثوار السوريون الحقيقيون بعد تجربتهم مع الأسد وأسلحته فهم يستطيعون التكيف مع أي حرب، فقد نسمع عن تنظيمات جديدة تتشكل خلال الحرب المفترضة على الإرهاب تقارع أميركا في حال أخطأت بحق الثوار السوريين تماما كما تشكلت كتائب وأولوية في وجه الأسد، فنيران أميركا ليست مختلفة عن نيران الأسد إلا بالتقنية والدقة، فهو استعمل الجو والبحر والصواريخ بعيدة المدى وحتى البراميل البدائية وله أفضلية عن أميركا وحلفها أن له جواسيس وجنود وأمن وقطع عسكرية منتشرة على الأرض وهم من أبناء ذات الأرض، وبرغم ذلك استطاع الثوار كسر شوكته مع جيشه وأمنه، وما استقدم من ميليشيات مرتزقة مضافاً إليها الخبرات الروسية والكورية وغيرها في غرف العمليات، وعلى هذا فإن التهويل بأن أميركا وحلفها قادمة لتصنع خياراتها ببضعة صواريخ وطيارات تتجول في سماء المنطقة هو تحليل يهدف إلى إزالة البريق عن الثورة والثوار وفتح جدل آخر عنوانه حاجة أميركا وحلفائها لإيران والأسد تحت ذريعة خبرتهم بمكافحة الإرهاب، أو على الأقل العمل على هدنة بين الثوار والأسد كما اقترح معهد كارنيغي للسلام لتمرير الحرب على داعش، وهنا نسأل أي هدنة يقترحها هذا المعهد ولأجل من؟.
 تدرك أميركا ومن خلال ما أعلنته على أن لا دور للأسد في هذه الحرب، وتدرك أن الأسد جزء من هذا الإرهاب بل مؤسس وراع له، وتدرك أن إيران متورطة حتى أذنيها في وحل الإرهاب لكن إشاعة أخبار أن أميركا وخلفها العرب قد يعاودون تأهيل الأسد ونظامه هو محض دعاية مقبوضة الأجر، فالسوريون دفعوا الثمن الأهم، وهم الذين بيدهم تقرير مصير المنطقة بما فيها الأسد، وإن نجاعة أي حرب ستفتح بهذه المنطقة لهم اليد العليا في إجبار هذه الدول العظمى على القدوم إلى المنطقة لتصبح لاعباً مباشراً لا عبر وسطاء، وهم أي السوريون إن أرادوا إحباط ذلك يكفي أن يعلنوا أنهم خارج معادلة الحرب على الإرهاب وأن فوهة بندقيتهم نحو فتح الطريق إلى دمشق حيث قصر الأسد، تدرك أميركا في كواليس مكاتبها هذه الحقيقة وكذلك تدركه دول المنطقة، بل أمامهم ثلاث سنوات ونصف السنة من التجربة، وهي التي استندوا عليها لفهم أن مفتاح المنطقة أصبح بيد السوريين الثائرين، وما هي إلا مسألة عض أصابع، فتلك الملايين التي أقرها الكونغرس على عجل لدعم الثوار انتزعتها أيادي السوريين وزنودهم، وعليهم توقُّع ملايين أخرى سينتزعونها أيضاً من دول المنطقة وغيرها، بالإضافة إلى اتفاقات أكثر ثباتاً مقابل ليس تحالفهم على الإرهاب وحده في هذه المعركة القادمة بل مقابل طي صفحة الماضي وخطوط السيد أوباما الحمراء التي أصبحت مادة للسخرية، وكذلك طي صفحة تحالفات عمرها عقود في المنطقة لبدء تحالفات جديدة فرضتها هذه الثورة، سيكون فيها السوريون قريباً أصحاب القرار وليس العكس، فإن خلص معهد كارنيغي لضرورة الهدنة مع الأسد هو يقصد ضرورة الهدنة لأجل الأسد، وهنا لا يجب دائما الركون إلى نتائج وأبحاث معاهد ومؤسسات دولية مهما كبرت، فالأسماء الكبيرة كما الماركات التجارية المشهورة للسلع غالبا ما تكون خادعة، ولهذا على السوريين أن لا يركنوا للوهم أو الإشاعة، فثورتهم هي التي جمعت كل ذلك وأوصلت الجميع إلى المنطقة مهما كانت التسميات أو الأهداف الظاهرية، بل إن الثورة تسير بثبات نحو رفع إرادتها مهما علا هدير الطائرات وتبدلت مواضيع الأخبار.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *