عبد القادر عبد اللي
منذ اتّخاذ قرار تشكيل تحالُف دولي لمحاربة داعش وإعلان الرفض التركي بالمشاركة في هذا التحالف، وُضعت تطوُّرات هذا البلد تحت عدسة المجهر، وبدأ الرَّصد لكلِّ كلمة تُقال حول هذا الموضوع، وبناء التحليلات، وبالطبع كالعادة فإن المُلفَّق يزيد أضعافاً مضاعفة عمّا يقال في الحقيقة، فليس ثمة مسؤول تركي قدّم تصريحاً واضحاً وصريحاً تماماً حول هذا الموضوع.
قبل انفراج قضية الرهائن، كان الموقف التركي: “لا نستطيع المشاركة في التحالف” وكلمة نستطيع التي حذفتها غالبية وكالات الأنباء هي التي كانت سبب ربط عدم المشاركة بقضية الرهائن، وجاء التفسير العام على النحو الآتي: “نريد المشاركة، ولكننا لا نستطيع”. أما تفسير جبهة الولي الفقيه الذي كان يسعى لحجز مقعدٍ له في التحالف، فقد اعتبر تركيا لم تخرج عن دعم الإرهاب المتمثل بداعش.
بعد انفراج قضية الرهائن، بدأت التكهنات تتصاعد، وطبعاً ما فتح المجال أمام هذه التكهنات هو تصريح وزير الخارجية الأمريكي بأن عائقاً مهماً أمام مشاركة تركيا في التحالف قد أزيل. لكن التصريحات التركية كانت غامضة هذه المرة، وتقبل التأويل المتعدّد، واستخدم كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة عبارات فضفاضة (لم أصادف أي ترجمة دقيقة لها في الإعلام العربي) مثل عبارة رئيس الجمهورية: “يمكن أن نقدم دعماً، والدعم يمكن أن يكون عسكرياً أو سياسياً.” وتصريح رئيس الحكومة الأخير: “شرطنا لدخول التحالف هو أن تؤدي العملية إلى استقرار المنطقة”، إنه شرط منطقي، وجميل، ولكن ماذا يعني استقرار المنطقة في العرف السياسي؟ وما حدود هذه المنطقة؟ هل هي سوريا؟ أم سوريا والعراق؟ هل هناك امتدادات أخرى تصل إلى لبنان مثلاً؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا أحد يستطيع الإجابة عنها، لكن من خلال إعلان تركيا الاستعداد لإقامة منطقة عازلة على حدودها مع سوريا والعراق نعرف أن تركيا تريد أن تخفّف العبء الكبيرَ الذي تعانيه بسبب ما يجري من المنطقة، لكن هل هناك من يؤيّدها في هذا الموضوع؟
موقف السوريين متخبط متناقض، وهم أقلُّ الناس معرفةً بما يريدونه. بالأمس كانوا ضد داعش، واليوم هم أكبر نصير لداعش، بالطبع لا يجرؤون على قولها بصراحة، ولكن ماذا يعني رفض ضرب داعش سوى أنهم مع بقاء هذا التنظيم وتمدُّده، ويبدو أن المثل القائل: “القط يحب خنّاقه” ينطبق تماماً على السوريين في هذا الموضوع.
موقف دول الخليج الذي تقوده السعودية يمكن تلخيصه بعبارة: “ذهاب الأسد وتأسيس ديكتاتورية بديلة مقبولة سعودياً وإماراتياً” وكل شيء خارج هذا الحل مرفوض.
الأمريكان على عاداتهم يعلنون شيئاً، ويخفون أشياءً، بيْدَ أنّ موقفهم الأوضح هو استمرار الواقع الراهن، وعدم الاستقرار، لأن هذا الوضع هو الوضع المثالي بالنسبة إلى إسرائيل، فهم من خلال تصريحاتهم كلها لا يقدّمون أيَّ شيء ملموس، من قبيل: “لا يمكن القضاء على داعش بالغارات الجوية فقط؟”، “الغارات الجوية جزء من حملة لها أبعاد كثيرة”ـ “يمكن أن تطول عملية محاربة داعش أكثر من ثلاث سنوات”، لنلاحظ كلمة أكثر، هل يمكن لأحد أن يضع مقياساً لأكثر؟ وهل هناك فرق بين أكثر من ثلاث سنوات وأكثر من عشر سنوات؟
يبدو أن الأمريكان هم الأعرف بالطلب التركي، فقد جاء التصريح الأمريكي من البنتاغون على لسان أرفع المسؤولين، وهم رئيس هيئة الأركان ديمبسي، ووزير الدفاع هيغل رداً على تساؤلات الصحفيين حول المنطقة العازلة ومنطقة حظر طيران تقول تركيا إنها أنجزت استعداداتها من أجل إقامتها: “ليس في خطتنا دعم قيام منطقة عازلة”.
بالطبع فإن المنطقة العازلة طالما لم تُطبق هي جيدة بالنسبة للسوريين، ولكن عند البدء بتطبيقها ستخصص جمعة يكون عنوانها: “لا للمنطقة العازلة” وستعتبر المنطقة العازلة مؤامرة على الشعب السوري، حتى إنني أشعر أن حادث السير الذي يقع الآن في إحدى جزء المحيط الهادي هو في جانب من جوانبه مؤامرة على الشعب السوري، فالشعب السوري هو محور الكون، وكل ما يجري في الكون من أجله وعليه…
هل ما تقوله تركيا على لسان رئيس حكومتها: “شرطنا لدخول التحالف هو تحقيق الاستقرار” يعني خطة محددة وواضحة تخرج إيران من سوريا، وتقلص نفوذها في العراق ولبنان؟ تركيا لا تريد أن تأتي على ذكر إيران في القضية السورية، وتتجنب مواجهتها. وها هي تركيا بقيت وحيدة في مطلبها، فلم تحظَ بأيّة موافقة على مساعيها وحتى “الجماعات السورية” لم تقدّم رؤيةً واضحةً من منطقة عازلة في الشمال السوري… إن أعلنت سيكون عنوان الجمعة التالية “لا للمنطقة العازلة” وإن فشلت، سيكون العنوان: “المنطقة العازلة غايتنا”…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث