مرهف دويدري
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ظهر في أوروبا مفهوم جديد للأدب أطلق عليه تسمية (أدب الغضب) بعد اليأس الذي اجتاح القارة العجوز التي خرجت من هذه الحرب بدمار هائل في البُنى التحتية والوحدات السكنية بالإضافة إلى أكثر من عشرين مليون قتيل ممّا مهّد الطريق إلى ظهور هذا التيار الغريب في مفاهيمه الأدبية، ولعلّ الأدباءَ الغاضبين الذين كانوا لا ينتمون إلى بلد واحد، لذلك لم يكن هناك تنسيق سابق لخلق هذا النوع من الأدب، وإنما الفوضى التي عمّت القارة الأوروبية هي من شكل هذه الذهنية الغربية عند هؤلاء الأدباء الذين استطاعوا أن يخرجوا بأدبهم خارج القارة العجوز أو ربما أسسوا عن غير قصد مدرسة أدبية جديدة هي (أدب الغضب)، في محاولة للمقاربة بين تلك الفترة الفوضوية في القارة الأوروبية وحالة الانفلات من كل الضوابط الفكرية والثقافية في المنطقة العربية التي اجتاحتها رياح التغيير عبر الربيع العربي نرى أن هذا الانفلات قاد إلى حالة من الإقصائية المتعمّدة التي جعلت لكل قبيلة شاعر – كما يقال – هذا الشاعر مجازاً هو الثائر الذي بدأت ثقافته بعد قيام الثورة خاصة، وإننا سنكمل العام الرابع بعد عدة أشهر أي أنه أصبح من مثقفي الثورة، الذي لا ينازعه أحد في هذه الثقافة الثورية.
هذا الانفلات في المجتمع على المستويات كافة عسكرياً واجتماعياً وثقافياًأدىإلى تراجع كبير في مفهوم الإبداع الذي تحول إلى مفهوم الإبداع الثوري الذي يجعل منه مثقفاً ثورياً دون النظر إلىآليات العمل الإبداعي سواء على المستوى الفكر الذي يقدّمه هذا الإبداعأو القالب الشكلي الذي يحاول هذا المثقف إخراج عمله الإبداعي للناس وهنا لابد من الإشارةإلىالإشكالية الكبيرة التي بدأت تتفاقم في مرحلة ما بعد الشهرة الثقافية هي “إنتاج الذات وإنتاج الآخر” واستعير هذا التعبير من عنوان مقال للشاعر الكبير “محمد عمران” في بداية التسعينيات أي بعد حرب الخليج الثانية وبداية محور المقاومة والممانعة الذي ظهر بشكل جلي بعد مؤتمر مدريد للسلام ممّا أدى آنذاك إلى ظهور انفلات تحت رعاية رسمية غير أن هذا الإنتاج الذي نلمسه في الإبداع الثوري خاصة عند أدباء المصادفة، ومع أول عمل أدبي يعتقد البعض من متابعيه أنه ناجح يحاول هذا الكاتب إنتاجه مرات ومرات لكسب الثناءات والمديح.
ما يميز مرحلة “أدب الغضب” في أوربا أنهم كانوا غير إقصائيين للآخر، وبالتالي استطاع كثير من هؤلاء الأدباء أن يصلوا إلى العالم دون محاولة لإقصاء الآخر، فالمسرحي “صموئيل بيكت” الذي تحدّث عن انعدام الجدوى من المستقبل لم يُقْصِ”يوجين يونسكو” الذي تحدث عن انعدام الفكر الإنساني، ولم يقصِ هو الآخر “فرنادوأربال” الذي اعتبر بقاء الديكتاتور”فرانكو” نهاية العالم، ولعل الإقصائية هي ميزة نعمل عليها نحن الشرقيون لإيجاد مقعد لنا نحسبه محجوزاً لغيرنا، فلابد من إخلائه بكل الوسائل التي تكون في الغالب غير مشروعة، وربما تذهب إلى حدِّ التطرُّف، فنصف الآخر بالطائفية لمجرّد أنه مبدع دون وصاية من أحد.
الإقصائية الثورية التي يعمل عليها معظمُ مثقفي الثورة السورية غلافُها طائفي واضحٌ جداً للنيل من بعض الأدباء الذين استطاعوا أن يؤثروا في الشارع العربي عامة والشارع السوري خاصة فبعد وفاة الشاعر “سليمان العيسى” بدأت الحملة الهمجية حول موقفه من الثورة السورية، ولماذا لم يقل شيئاً بحقِّ الثورة، وغاب عن أذهان من قادوا الحملة أن الرجل كان في غيبوبة على مدى فترة طويلة معتمدين على حالة طائفية غبية وذات الشيء عندما بدأت الهمروجة ضد الشاعر الفلسطيني “سميح القاسم” عندما قيل إنه مدح الديكتاتور متكئين على أنه من الأقليات التي افترض هؤلاء المثقفون أنهالا تدعم الثورة.
في الحالة الأوروبية التي أنتجت ثقافة الغضب كان الهدف بناء مجتمع جديد على أسس إنسانية ترفع من قدر حقوق الإنسان إلا أننا ورغم صيحات الحرية التي دفعنا ثمنها غالياً جداً لم نكن نتعامل بحريِّة مع النقد الذي من الممكن جداً أن يتحوَّل صاحبه إلى شبّيح لأنه ضد أدب الثورة، والأديب الثائر، والإعلام الثوري الذي يسوّق له.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث