الرئيسية / رأي / أوباما.. والخليفة

أوباما.. والخليفة

ساطع نور الدين 
كأن جورج بوش الابن بُعث حياً في البيت الابيض، وأطل مجدداً على الاميركيين والعالم ليعلن عن شن حرب جديدة، في العالم الاسلامي، يمكن ان تربحها اميركا في ميادين القتال، لكنه يرجح ان تخسرها في ردهات السياسة.
بدا الرئيس باراك أوباما في ظهوره المثير وفي كلامه المقتضب ليل الاربعاء، عشية الذكرى ال13 لهجمات 11 ايلول 2001، كنسخة منقحة من سلفه المحارب الذي أطلق واحدة من اوسع الحملات العسكرية الاميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وتمكن من تدمير ثلاث دول او اكثر، ثم فر من الجبهات تاركاً خلفه الكثير من الخراب والفراغ الذي سدته قوى اقليمية ومحلية، آخرها وأشدها خطراً تنظيم داعش.
لم يكن خطاب أوباما المتلفز يختلف في الجوهر عن الخطابات الاولى التي وجهها بوش في اعقاب هجمات 11 ايلول، برغم ان الرئيس الحالي احتفظ بأسلوبه الرصين، ولم يتوعد ابو بكر البغدادي ويعلن انه مطلوب حياً او ميتاً. كان حاسماً في ان اميركا ستستأصل داعش من الوجود. وكان واضحا في ان اميركا ستتولى قيادة هذه العملية مع شركاء من التحالف الدولي الذي شكلت نواته الاسبوع الماضي، وما زال في طور التوسع.
المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة. والنصر سيكون في النهاية حليف اميركا التي ستتمكن في النهاية من تصفية داعش كما صفّت قبل اعوام قليلة مرجعه العراقي الرئيسي بقيادة ابو مصعب الزرقاوي، وشريكه اليمني بقيادة انور العولقي، وفروعه الصومالية والسودانية وغيرها التي تتساقط قياداتها الواحدة تلو الاخرى.. وتستكمل عملية تفكيك وشرذمة تنظيم القاعدة الاصلي وقتل او اعتقال قياداته الرئيسية، الذين لم يبق منهم سوى الدكتور أيمن الظواهري الذي قرر أخيرا وبشكل مثير للسخرية ان يسترد شبه الجزيرة الهندية من المستعمرين ويعيدها جزءا من ديار الاسلام!
الهدف العسكري او الامني، كما حدده اوباما، هو من دون شك في متناول اميركا والتحالف الدولي الجديد، الذي ستركز عملياته على الغارات الجوية، ما يعني سقوط الكثير من الابرياء كما هو حاصل الان في افغانستان واليمن والصومال..وإلحاق المزيد من الضرر بالهدف السياسي الذي لم يجرؤ الرئيس الاميركي الحالي على ذكره، وهو اعادة بناء الدولة العراقية والسورية التي كان انهيارها على يد سلفه بوش، وفشلها على يد حلفاء اميركا وشركائها الحاكمين في بغداد ودمشق، سبباً رئيسياً في قيام دولة الخلافة الاسلامية.
ألمح اوباما الى ان المطلوب تعديل في مؤسسات الحكم في العراق وسوريا، التي ساهمت مع ايران وحلفائها اللبنانيين في تفجير غضب الغالبية السنية، الذي بلغ ذروته مع ظهور ورثة الزرقاوي وانتظامهم في داعش وتشكيلهم خلافة خرافية بزعامة البغدادي. لكنه لم يكن مخاطراً او مغامراً مثل سلفه الاخرق، في الحديث عن الحاجة لاعادة بناء تلك الدول على اسس العدالة والحرية وحتى الديموقراطية العصرية. فالتجربة لا تشجع على مثل هذا الطموح البعيد المدى.. وهي تنذر بان اميركا ستنتصر في الامن وستنهزم في السياسة مرة أخرى.
القضاء على داعش هو من الان فصاعداً مسألة وقت، وعرض صورة لجثة البغدادي وضمها الى صورة الزرقاوي او العولقي هي ايضا مسألة وقت. لكن إنبعاث ذلك التنظيم من جديد تحت اسم آخر وظهور بديل للبغدادي لن يتأخر كثيرا، اذا ما اكتفت اميركا بالاغارة من الجو على ثلة متوحشة واغفلت الاسباب التي أدت الى بروزها وتمددها في المساحة الاكثر حساسية من العالم الاسلامي: من دون تغيير الحلفاء والشركاء وحتى البرامج، ومن دون وضع حد للاستفزاز الدائم الذي يمثله النظامان الايراني والسوري، يمكن ان يكرر اوباما خطيئة سلفه الذي اعلن ان” المهمة انجزت”، حتى قبل ان تكون قد بدأت.
يبقى ان خطاب اوباما يمثل نقلة نوعية في سياسته التي كانت حتى الامس القريب تقوم على التسليم العلني ( كما في الحوار الاخير مع صحيفة نيويورك تايمز) بان ما يشهده العراق وسوريا هو مجرد انهيار لنظام سايكس بيكو الموروث منذ الحرب العالمية الاولى، وبان النصر هو من نصيب البغدادي!
عن جريدة “المدن” الإلكترونية

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *