ألكسندر أيوب – سما الرحبي
في إحدى حارات دمشق الخاضعة لسيطرة النظام، يصطف مجموعة من الأطفال مشكّلين حاجزاً نظامياً، مررت بجانبهم رأيتهم يضعون عصبة على رؤوسهم، حدّثوني بلكنة مضحكة مشدّدين على حرف القاف، مع عصاه صغيرة مربوطة بقماشة حملوها على أكتافهم كأنها بندقية، يتبادلون الأدوار، مرة يتقمص “أحمد” شخصية العسكري مسؤول الحاجز، ومرة يكون المدني، عبرت حاجزهم، فأوقفوني طالبين هويتي الشخصية، أبرزت لهم بطاقة وجدتها في جيبي، قال لي أنه سيحتجزني، مررت أخيراً بعد رشوتهم بقطعة “شوكولاه” صغيرة، مع ذلك ما إن سمع هؤلاء الأطفال صوت الرصاص الحقيقي القادم من حي “جوبر” المجاور لحي “العباسيين”، حتى هرولوا من الخوف إلى منازلهم، ففي ذاك الحي وعلى بعد كيلو مترات من هؤلاء الصبية أطفال آخرون اعتادوا صوت الرصاص والقذائف اليومية، حتى باتت جزءاً من ألعابهم، التي تبدّلت من كرة القدم، الغميّضة، والقفز بالحبل إلى أخرى مستوحاة من واقعهم، المليء بتفاصيل الحرب والخوف والدمار، إذ كان لهم الحصة الأكبر من الارتدادات النفسية والسلوكية لهذه الحرب.
ألعاب العيد
حتى ألعاب العيد تبدّلت لتناسب الوضع الجديد المفروض نتيجة الحرب التي تكاد تغلق عامها الرابع، ففي أول أيام العيد ضمن مدينة دوما، كان الممرّض “بدرا”، والذي يحترف التصوير أيضاً، مناوباً بنقطة الإسعاف، كان الجو هادئاً، جاء صديقه ليخبره أن أحد فنّاني المدينة حوّل بقايا صواريخ النظام الملقاة فوق المدنيين لألعاب يلهو بها الأطفال، كانت “الملاهي” ليست كتلك التي عهدها الأطفال ما قبل الـ 2011, لكنها وفت بالغرض، أخذ “بدرا” بعض اللقطات للأطفال وقد حملت أجسادهم الصغيرة صواريخ متفجّرة، وبقايا أسلحة، صوب العدسة على وجه طفل ناسياً قذيفة “الميغ” تحته، يقول بدرا :” كانت العدسة ” 77-200″ وكانت تقرب المشهد كثيراً، لذا لم أستطع تصوير الطفل والصاروخ سويةً، فرجعت مسافةً طويلة، وما أن اتسعت شاشة “الفيوفايندر” للطفل مع الصاروخ، حتى دهست أمام بسطة أحد الأطفال وكدت أوقعها، أنزلت العدسة، طلب الطفل مني الابتعاد عن بسطته المليئة بالألعاب، يريد من بقية الأطفال أن يشاهدوها”.
يضيف بدرا،”كان جميع الأطفال يشاهدون الكاميرا باستغراب، يسألون عن ماهيتها مردّدين “صوّرني صوّرني”، إلا طفل البسطة، كان أقرب لرجل على الرغم أنه بأعمارهم، وكان بسطته الصغيرة عبارة عن أربعِ قذائفَ دبابةٍ خاويةٍ يستند عليها لوح خشب مربع، تفترشه مسدسات صغيرة ترش الماء، إضافة لبعض “البسكويت”، كان أشبه برجل صغير، يجلس غير مكترثٍ بشيء، لا أعلم بما كان يفكّر، لما أشاهد ابتسامته إلا عندما اشتريت منه قطعة بسكويت ب 75 ليرة، بعد أن كانت تباع بـ 10 ليرات قبل حصار المدينة “.
على ما يبدو أن الأطفال تأقلموا مع السلاح في المدن الثائرة، وبات شيئاً عادياً، لا يسبّب لهم الخوف أو الرهاب، “أبو الفوز” أيضاً من مدينة دوما، هو الفنان الذي قام بتحويل مخلفات الأسلحة إلى ألعاب، لإبعاد شبح الخوف عن أطفاله عند ذكر اسم الصاروخ أو القذيفة، قام بتحويل قذائف الهاون التي لم تنفجر ومخلفات نظام الأسد في قصفه الممنهج على المدينة، إلى قطع فنية زخرفها بالرسوم والألوان بمشاركة أطفاله، وذلك بعد تنظيفها وإفراغ محتوياتها، يتحدث الرجل الأربعيني، “هذه القذائف يومية، ولا نستطيع تغيير الوضع، فقررت تلوينها وزخرفتها لأخففَ أثرَها النفسي على أطفالي، حيث يشاهدونها يومياً ويخافونها، أما الآن فهم يساعدوني بتحويلها إلى قطع فنية تعبر عن السلام وليس الموت”.
تطبيع الموت..
في الشمال الشرقي من سوريا وتحديداً محافظة “دير الزور”، ضمن حي “الحميدية” المحاصر منذ عامين، يلعب مصطفى وأصدقاؤه بين الأبنية المدمّرة، فينقسمون إلى مجموعتين “جيش حر”، و”جيش النظام” يبدؤون أولاً بالقرعة إذ يرفض الجميع أن يكون في جيش النظام، ينقسم الفريقان يحملون ببراءتهم مخلّفات قطع خشبية من دمار المنازل، ويطاردون بعضهم البعض، يطلقون النار الوهمي مع محاولة تمثيل صوته بأفواههم، ويتظاهرون الموت، ويردّدون شعارات الانتصار والتكبيرات التي يسمعونها في الشارع من الفصائل المنتشرة في المنطقة، مصطفى ابن التاسعة من العمر، تسأله عن تلك الخشبة التي يحملها وماذا يصنع بها؟ فيجيب بسرعة، “أريد إسقاط النظام، وتحرير سوريا، وإخراج المعتقلين، وفتح “معبر الأمن السياسي”، في إشارة إلى المعبر المغلق، الذي تدخل الأغذية والمساعدات إلى دير الزور، لا يبدو أن تلك الكلمات لمصطفى الطفل، إذ رددها بتتابع غير معهود دون أن يتلعثم، وكأنه حفظها بصماً، كيف لا وهي الكلمات التي يسمعها بشكل يومي في الشارع من والده، من الفصائل في الشارع، ويسمع حديث النسوة عن قلة الغذاء وأهمية فتح ذاك المعبر؟!
رامي صديق مصطفى يصغره بسنة واحدة، يركب دراجته القديمة مثبتاً عليها خشبة طويلة من الأمام، ويتنقل بها من زاوية لأخرى، يتوقّف يتأكّد من أن الخشبة ثابتة على مقدمة الدراجة، ثم ينظر إلى السماء، تسأله عن دراجته الغريبة فيجيب، ” إنها مضاد طائرات من عيار 14.5 وإذا ما اقتربت طائرة سنقوم بإسقاطها”، ثم يركب دراجته ويصوّب الخشبة إلى السماء مخرجاً أصوات أشبه بالرصاص من فمه.
يعرف رامي ومصطفى كل أنواع الأسلحة، حتى عياراتها، لا يخافان من الرصاص ولا شكل الموت، فغالباً ما يساعدان بإخراج الجثث من تحت الأنقاض، و يستقبلان نهارهما باللعب بكل الأدوات التي أفرزتها الحرب من حولهما.
أما في محافظة الرقة المجاورة لدير الزور، يقوم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في كل فترة بإعدامات وقطع رؤوس تتم في الساحات العامة، بحضور كلّ الناس، ومن بينهم الأطفال، أسعد الخلف أحد الشباب المقيمين في الرقة، يتحدث، “عندما تتم تلك الإعدامات لا أنظر إلى مشهد قطع الرأس، وإنما أتابع بعيني تعابير الأطفال وردّات فعلهم، منهم من يهرب، ومنهم من يبقى وكأنه يعتقد أن المشهد تمثيلي، وآخر تشخص عيناه دون أن ينطق بكلمة، وتتكرر مشاهداتهم لقطع الرؤوس حتى بات الأمر عادياً”.
يضيف أسعد، ” آخر إعدام كان لشخص اتهمه تنظيم الدولة بالتنسيق مع النظام، فقطع رأسه في ساحة المدينة، بعد تنفيذ حكم الإعدام رأيت أطفالاً بعمر الثامنة والتاسعة، يقتربون من الجثة، ويحرّكون رأسَه بالعصي، أدركت وقتها أننا خسرنا الكثير في هذه الحرب”.
ليست مجرد لعبة!
على ما يبدو أن تلك الأسلحة لم تعد مجرد ألعاب وهمية في بعض المناطق، وإنما بدأت تتحول إلى حقيقة يمارسها الأطفال، حيث بدأ أحمد بالخضوع لدورات قتالية، يريد أن يصبح مقاتلاً، وأن يأخذ بثأر والده الذي قضى بصاروخ “ميغ” أطلقته قوات الأسد على حيّهم قبل عام، يقف أحمد في “الغوطة الشرقية” ضمن مجموعة من الأطفال بين 8 والـ 12 عاماً، عراة الصدر، ملطّخي الجبهات بالطين، يصطفون أرتالاً مستقيمة، حملوا في أيديهم الصغيرة مجسّماً خشبياً شبيهاً بسلاح “الكلاشين كوف”، يتلقون الأوامر والتعليمات من مقاتلين يكبرونهم، منها الوقوف باستعداد، الانبطاح والهجوم والتكبير، ثم ينتقلون للقتال بالأيدي بين بعضهم، مع تمارين رياضية عنيفة أمام ضمور عضلاتهم منها القفز فوق البراميل، الضغط، التسلل داخل أنفاق شائكة، والجري لمسافات طويلة، كل ذلك خلال تجنيدهم من قبل سرية ” أكناف المقدس” في الغوطة الشرقية، خلال التزامهم بمعسكر “أشبال التوحيد”، هناك حيث يجلس الأطفال أرضاً أمامهم أحد المقاتلين بيده “روسية” حقيقية، يعلّم الأطفال كيفية فكّها وتركيبها، وأسماء قطعها وطريقة تلقيمها، ومن ثم كيفية التصويب، ثم ينتقلون للتطبيق العملي في مساحة واسعة، مع مداهمات تمثيلية لأحد البيوت الخالية.
وغالباً ما تصوّر مقاطع لعمليات التدريب في تلك المعسكرات، وتعرض على شبكة “خطى” الإعلامية بمقطع مرئي على شبكة الانترنت.
وبعيداً عن التدريب القتالي، لم يغفل المسؤولون عن المعسكر عن التأثير على طريقة تفكير الأطفال وأدلجتهم وفقاً للمعايير التي يؤمنون بها، إذ خضع الأطفال أيضاً لدروس في الفقه والعبادات، يحكي أحد الأطفال بادئاً حديثه بالبسملة، عن مدى الاستفادة التي حصل عليها خلال المعسكر من قبل إخوانه، وإيمانه التام بضرورة الدفاع عن المدنيين والأطفال، بالسلاح لمواجهة العدو، وكيفية بناء العقيدة التي أساسها الجهاد في سبيل الله”، أمّا أحد المشرفين على المعسكر فيتذرّع أمام الكثير من المعترضين عليه قائلاً: ” هذا المعسكر لتعليم الأطفال كيف يدافعون عن أنفسهم، ونحن لا نجبر أحداً عليه، وإنما التطوُّع فيه كيفي، نعلّم فيه بديهيات قد يحتاجها الأطفال في بيئة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات”.
الآثار النفسية..
” يتأثر الطفل بما يشاهده، سواء في الوسط الذي يعيشه، أو عن طريق وسائل الإعلام، أو ما يعايشه في الشارع، والطفل بطبيعته يحبُّ التقليد، وعن طريق الإيحاء والعدوى الاجتماعية يمكن انتشار استعمال هذه اللعب، والتي تحول الطفل من الجانب التربوي إلى واحدة من حالتين، الأولى تخيفه وترهبه، والثانية تشجعه على التخويف والإرهاب، وكلتا الحالتين تؤديان بالطفل إلى مرضٍ نفسيٍّ خطير، خصوصاً أن الصّدمات التي يتعرّض لها الطفل بفعل الإنسان أقسى مما قد يتعرض له جراء الكوارث الطبيعية وأكثر رسوخاً بالذاكرة”. هذا ما أكده الأخصائي في علم النفس الاجتماعي، والمدرّب ضمن وحدات الدّعم النفسي للأطفال في المناطق المحرّرة، الدكتور مدين حامد، ويضيف عن مشاهداته عيّنات من الأطفال التي التقاها في المناطق المحررة من سيطرة النظام.
“التقيت مع العديد من الأطفال يبدو ظاهرياً أنهم اعتادوا السلاح وأصوات القصف، ولكن بمتابعة حالتهم تلاحظ الآثار النفسية لتلك الأسلحة على شخصياتهم، فمثلاً، البعض منهم يصيبه نوعٌ من “الفوبيا” المزمنة من الأحداث والأشخاص، أو الأشياء التي ترافق وجودها مع وقوع الحدث مثل الجنود، صفارات الإنذار، الأصوات المرتفعة، الطائرات، وفي بعض الأحيان يعبّر الطفل عن خوفه بالبكاء، العنف، الغضب، الصراخ، أو الانزواء في حالة من الاكتئاب الشديد، إلى جانب الأعراض المرضية مثل الصداع، المغص، صعوبة في التنفس، التقيؤ، التبول اللاإرادي، انعدام الشهية للطعام، قلة النوم، الكوابيس، وهؤلاء غالباً ما يكونون تحت الثامنة من العمر”.
يؤكد الدكتور مدين، ” غالباً ما تظهر هذه المشاعر التي يختزنها الطفل أثناء اللعب أو الرسم، فنلاحظ أنه يرسم مشاهد من الحرب كأشخاص يتقاتلون، أو يتعرضون للموت والإصابات وأدوات عنيفة، أو طائرات مقاتلة وقنابل ومنازل تحترق، أو مخيمات، إضافة إلى ميلهم إلى اللعب بالمسدسات، حيث يجدون في ألعاب العنف هذه خير ملاذ للتعبير الحي عن انعكاسات تلك المظاهر”.
ربما قد تأقلمَ أطفالُ سوريا مع الوضع الحالي بكل ما فيه من دمار ومشاهد مرعبة، ولكن الأثر النفسي لذلك سيظهر عاجلاً أم آجلاً، فاليوم يعايش أطفال سوريا حرباً شرسة منذ أربعة أعوام، فمن القصف والدمار إلى مشاهد الموت والجثث، وإن قرروا الخروج فيرحلون إلى المخيّمات حيث الذل مضاعف، كل تلك التفاصيل ستظهر نفسياً على جيل كامل، يعوّلُ عليه في بناء سوريا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث