الرئيسية / Uncategorized / الماتادور “الفيسبوكي”..

الماتادور “الفيسبوكي”..

مرهف دويدري 
تحوّلت المهمة الأساسية لمواقع التواصل الاجتماعي، وخرجت عن المفهوم الذي تبنى فكرته مؤسسوها على أنها تواصل بين الأصدقاء الذين ربما تبعدهم الحياة، فيكون مثل هذه المواقع هي تعويض افتراضي عن حياة كانوا سيعيشونها في واقع الأيام غير أن السوريين ومنذ آذار 2011 أي مع بدايات الثورة السورية بدا “الفيسبوك” شيئاً آخر غير التواصل الاجتماعي. فهناك من أسّس حسابات بأسماء وهمية، الهدفُ منها تسويق الثورة عبر تنسيقيات ثورية أو هناك من عمل بأسماء حقيقية، ومنهم جعلها منبراً “عقائدياً “يشارك المنشورات الدينية دون أي تدقيق حتى قيل – على سبيل الدعابة – أن نصف مستخدمي “الفيسبوك” في العالم هم السوريون. 
خلال سنوات الثورة السورية التي شارفت على نهاية عامها الرابع طفا على السطح مجموعة من أولئك الذين صدّروا أنفسهم على أنهم مثقفو الثورة، على اعتبار أن الثورة قامت شعبية، وتحتاج إلى من يعبّد لها الطريق، وفي لحظة تأمُّل ثورية استطاع بعض هؤلاء إقناع أنفسهم أولا ثم إقناع الآخرين بأنهم قادة ثوريون عبر “بوستات” عبقرية، وأفكار تكاد تصل إلى حد الكمال حيث، استطاع بعض الناشطين النشيطين جمع ما يقارب من 5 آلاف صديق وهو الحد الأعلى لعدد الأصدقاء المسموح به في موقع “فيسبوك” فينشأ حساب جديد من أجل أصدقاء جدد، ليصدّر لنا أفكاره.
 الأكاديمي في العلوم السياسية “كريم عنكير” يرى الموضوع من زاوية أخرى فيقول : “لا يمكن أن يخلق الفيسبوك شخصاً مثقفاً من عدم، أو يساهم في تقديمه كمثقف، وهذا يعتمد على جمهور أي شخص ونشاطه الفيسبوكي، ومنشوراته، قد يخلق الفيسبوك جمهوراً ومعلّقين ومعارضين ومؤيدين، ولكنه لا يمكن أن يساهم في صناعة مثقف”.
 أما الإعلامي أحمد دعبول فيعتقد أن، ” العالم الافتراضي الذي يعيشه البعض مُبحراً في انتظار عدد “اللايكات” على أحد المنشورات التي اقتبسها، ولم “يسرقها” من “بوست”أحد الأصدقاء وختمها باسمه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”  يُشعر صاحبهُ بأنه ذو قيمة، المشكلة هي ربط الإنسان أهميته  بعدد متابعيه في “فيسبوك” فإن قلَّ العددُ شعر بالنقص، وإن زاد شعر بأهميته لكنها حالة مزيفة”.
يستطيع الكاتب التركي “مظفر أوزغو” صاحب رواية “مصارع الثيران” – أو اختصاره حسب اللغة الانكليزية “ماتادور”– أن يقدّم وبشكل ربما يفترضه البعض بالساخر رجلاً تركياً هامشياً يعمل “زبالاً” في ألمانيا، ويتزوج من عجوز ألمانية لأنه لا يحلم أن يتزوج من شابة، فيبدأ بعشق العجائز تعويضاً عن نقص بداخله، فيدخل بهذا العشق غير أن القدر يجعله فريسة بعض المحتالين، الذين يعملون على تصنيعه بطلاً قومياً في سبيل عملية احتيال كبرى، ويبدأ الإعلام بضخ القصص والمأثورات عن “الماتادور”، محمود الذي يحترف قتل الثيران ولكن جاء اليوم الذي لا مهرب منه، فلابد من نزول الماتادور إلى حلبة الصراع، فيحاول من صنعوه أن يجدوا البديل، ولكن لافائدة ليدخل الماتادور محمود إلى الحلبة التي لا يعرف عنها شيئاً، ومع أول هجوم كانت قرون الثور تخترق جسده الهش لتنتهي أسطورة “الماتادور” محمود البطل القومي.
أصبح “الفيسبوك” منبراً كبيراً للجميع، وهذه الميزة هي أحد أهم الإيجابيات التي استطاعت الشبكة العنكبوتية الوصول إليها. يستطيع أي شخص في هذا العالم الواقعي أن يتواصل مع من يريد في العالم الافتراضي حتى تحوّل إلى ساحة صراع فكري تعدّى تصدير الأفكار والمأثورات، ودخل في حرب يراها البعضُ معركةَ وجود عبر متناقضات كثيرة، تبدأ من الخلاف الديني – الطائفي أو المعتدل والمتشدد – أو ربما العرقي ليتحول هؤلاء المثقفون الذين تربعوا على المقاعد الأولى للثورة السورية إلى “ماتادورات” لقتل الآخر، وبالتالي يأخذ فيسبوك موقعاً، ليس له في شيء حيث يؤكد الأكاديمي، كريم عنكير، أن، ” فيسبوك هو وسيلة تواصل اجتماعي بالدرجة الأولى، ولا يمكن أن يكون صالوناً أدبياً، ولا يغني عن حضور أمسية شعرية أو مهرجان ثقافي، أو منتدى للحوار بشأن قضية رأي عام، فلا يجب تحميل هذه الوسيلة أكثر من اللازم”.
في لحظة الذروة يسقط القناع عن وجه هذا “الماتادور” في صراعه الحضاري ليكشف عن حقد دفين من التشدد، ليغرس المتابع له “قرون” التعليقات المهينة التي تُسقط عنه صفة المثقف والمصارع الماهر، الذي لا يمكن أن يهزم هياج الثورة.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *