الرئيسية / رأي / توحيد الصفوف بالعودة إلى الوراء.. التمزُّق بعيداً عن مفاهيم الثورة

توحيد الصفوف بالعودة إلى الوراء.. التمزُّق بعيداً عن مفاهيم الثورة

نبيل شبيب 
كيف نتوحّد في سوريا على مسار ثوري شعبي مشترك واحد؟ سؤال لا ينقطع طرحه حالياً، ولن نجد على الأرجح إجابة عملية مقنعة قابلة للتطبيق، قبل استيعاب: كيف أصبحنا أصلاً مضطرين إلى طرح هذا السؤال، وهو يبين أننا مقتنعون بوجود خلل كبير نتيجة تبعثر الصفوف والجهود، وبالتالي ضياع الطاقات والإنجازات السابقة، وما كان السؤال مطروحاً أيام اندلاع الثورة الشعبية.
. . .
في حالة الاستقرار على أوضاع قويمة، توجد دوماً معالم تفصل بين العمل الفردي، والعمل الفردي في إطار عمل جماعي، والعمل الجماعي المشترك. وغالباً ما تتكامل حصيلة ذلك جميعه مع بعضها بعضاً، فلا ضرر من العمل في هذه الخطوط المتوازية في وقت واحد.
أما في حالة الثورة على أوضاع قمعية عقيمة، لم تستقر من قبل إلا على تطبيق قاعدة “فرّق تسد”، فمن أخطر ما يعيق مسار الثورة إن لم يدمّره -وإن توافر الإخلاص وحسن النوايا- هو العجز عن التشبث بمعيار المصلحة العليا المشتركة، وبالتالي تطبيقه في اتخاذ القرار وتنفيذه، ما بين معالم هذه المستويات الثلاثة للعمل، وهو ما أصبحنا نواجه عواقبه الوخيمة في مسار الثورة الشعبية في سوريا، رغم حرصنا على الأمل في أن يكون مخاضاً لتوليد ما هو أفضل، قبل أن تنتقل الراية إلى “قوم آخرين” يرتفعون بأنفسهم إلى مستوى الحدث فكراً وعملاً.
هذا أمل.. إن طال به الأمد، يمكن أن يتحوّل إلى وهم مدمّر أيضاً.
إن الثورة بحدِّ ذاتها عملٌ جماعيٌّ مشتركٌ، وهكذا تبدأ، ثم يزيد من قوتها كلّ تطوير لتوحيد الصفوف، وتضعفها كلّ خطوة في اتّجاه اعتزال أو إقصاء، مهما كانت التبريرات، فالمفسدة الظاهرة للعيان هنا أكبر من المصلحة الموهومة بما لا يخفى على ذي بصر.
عندما يتحرك “معا” عدد كبير من البشر الثائرين على وضع يرفضونه جميعاً، ويريدون “تغييره”، يجتمعون على ذلك، ويستحيل جمعهم على رؤى تفصيلية مستقبلية مشتركة، ولا سيما أنهم لم يعملوا من قبل “معا” على امتداد عشرات السنين، ولا حتى على هدف مشترك محدود، ينطوي على معنى تغيير وضع من الأوضاع الجزئية أو الشاملة.
إن مسار الثورة “معا” هو وحده الذي يوجد تدريجياً الشروط العملية من أجل “البناء المستقبلي معاً”، فلا تنضج لتثمر إلا مع انقضاء مرحلة أولى من الثورة والوصول إلى “عتبة البناء”.
. . .
كثيراً ما كان يجيب الفرد من عامّة الثوّار بفطرته الثورية على كلِّ طرحٍ سياسيٍّ بين يديه: “دعونا الآن.. نريد إسقاط النظام أولاً”. وكان الجواب غالباً: يجب أن نستعد مسبقاً للمستقبل، وهذا صحيح من باب الوعي بما ينتظرنا من “عمل مشترك” وشروطه، وليس من باب الجزم الانفرادي بشكله التفصيلي مسبقاً.
لقد بدأت الثورة بهتافات مشتركة، وشعارات مشتركة، ومسارات مشتركة، ووسائل مشتركة، حتى إذا تسرّع مخلصون واندس بينهم آخرون، في طرح ما يريدرن بناءه بعد هدم صنم الأخطبوط الاستبدادي الفاسد، الحائل بينهم وبين “عتبة البناء” والعمل لتحقيق “التغيير”، تفرّقت صفوف معظم ما كان مشتركاً، ولم نعد نتكلم عن “الاستمرار” في طريق واحد، بقدر ما أصبحنا نتكلم عن توحيد ما تبعثر على السبل المتشعبة المتفرقة.
هذا وضع جديد يختلف جذرياً عن الوضع السائد لحظة اندلاع الثورة، ولهذا تختلف معالجته المطلوبة عما قد يصلح لحالة الاستقرار.
إن توحيد الصفوف الآن لا يتحقّق عبر طرح “نقاط الاختلاف” ومعالجتها وإيجاد قواسم مشتركة من خلالها.
هذا أسلوب عقيم.. فنقاط الاختلاف ناجمة عن التبكير في طرحها، فلا تؤدّي معاودة الطرح إلا إلى تعميقها، ولا نجاة الآن من تأثيرها السلبي إلا بطرحها جانباً، وليس للنقاش، أي تأجيلها، وتجنُّب كل محاولة “مبكرة” لعلاجها أثناء “مسار” الثورة في مرحلتها الأولى.. مرحلة مواجهة “الأعداء المتحالفين” ضد مسار الثورة.
لن تساهم لقاءات “الحد من الخلافات” -كما يقال- في تحقيق واجب التقارُب المصيري بين “الفصائل الثورية”، ولا بينها وبين “التجمعات السياسية” ولا حتى بين أفراد يفكرون، وينظرون كل على انفراد، أو يغيثون، ويدعمون كلّ في قناة منفصلة عن الأخرى، أو أي أفراد آخرين يرتبطون بالثورة بأية صيغة مفيدة. 
لن نتقدّم إلى الأمام بهذه الوسيلة، لأننا نقف على سبل متشعّبة، متباعدة، وكلّ خطوة إلى الأمام تزيدها تشعباً وتباعداً، والمسافات ما بين مواقعنا كبيرة، لا يمكن “القفز” فوقها، علاوة على أن معظمها “وهمي مستقبلي” ما حان الوقت بعد للمضي عليه والتشبُّث به في كيان مستقبلي نرجوه، وهو غير موجود أصلاً إلا بعد الشروع في بنائه، وإذا وُجد لن يستقرَّ إلا مع ضمانات -تصنعها الثورة المشتركة- أن يؤدي الاختلاف إلى تكامل دون هدم، وليس هذا قابلاً للتحقيق في اللحظة الحاضرة.
. . .
 من أراد صادقاً توحيد الصفوف، توحيد الفصائل، توحيد الرؤى الثورية والسياسية، توحيد الجهود الإغاثية والداعمة، توحيد الإنجازات الإعلامية والفكرية.. فلا سبيل إلى ذلك إلا أن يتخلّى عن “موضع قدميه الآن” ويرجع بنفسه إلى نقطة الالتقاء المشترك بيننا جميعاً.. لحظة اندلاع الثورة الشعبية على هتافات “عفوية” تعبّر عن الشعب حقاً، وعن القواسم الكبرى الحقيقية الموجودة فعلاً، والتي صنعت رؤيته الثورية الواحدة وأهدافه الثورية المشتركة.. وكان منها:
الشعب السوري واحد.. واحد.. واحد.. فلا انتماءات سياسية وعرقية أو غيرها تفرّقه، ولا اختلاف على التعامل مع الطائفية والطائفيين يضلله، ولا رايات بمضامين مشابهة يتقاتل حاملوها تسحقه.
الشعب السوري ما بينذلّ.. الموت ولا المذلة.. وما شابه ذلك مما يلتقي على عناوين الكرامة والحرية والعدالة، وليس على “اختلاف المنطلقات في أسلوب تحقيقها مستقبلاً” من علمانية أو إسلامية، ومن سلفية أو حركية، وسوى ذلك من اجتهادات بلغ تعدادُها المئات أو أكثر، أي على قدر تعداد “الفصائل والتجمعات” العاملة كل على انفراد، ولكل منها ميثاق وبنود، وهيئات وعقود، ورؤوس تقود، منها ما لا يزال يتحرك ومنها ما سقط في مقصلة الغدر والعداء. 
وقائمة الأمثلة طويلة.. طويلة.. وأصبح مسار القفز من فوقها مساراً دامياً. 
. . .
يجب أن نعود.. إلى الوراء.. ليمكننا التقدم “معا” إلى الأمام.
يجب أن نعود إلى مفاهيم الثورة الشعبية كما نشأت واقعاً تلقائياً، وليس كما يحاول كل فريق على حدة أن “يتخيلها” مستقبلاً.
ولن نجتمع إلا على تلك المفاهيم الشعبية الأصيلة.. كما هي، شعبية أصيلة، مبسطة معبرة، فلم تضع صياغتها أقلام في المكاتب والكليات الجامعية، ولا خطب في الفنادق والمؤتمرات السياسية، ولا مجتهدون في “الخنادق” والمواجهات الميدانية.. بل صنعتها على ألسنة جموع الشعب الثائرة عقود متتالية من القهر والاستبداد، والقمع والمعاناة.. صنعها الوعي باستحالة التغيير إلا عبر ثورة شعبية، تفضي إلى التغيير، وليس بثورة شعبية تتفرّق صفوفها على كيفية “التغيير” قبل أن يبدأ.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *