الرئيسية / تحقيقات / الزيتون.. حب وسلام وتاريخ.. وعماد الاقتصاد السوري

الزيتون.. حب وسلام وتاريخ.. وعماد الاقتصاد السوري

فاطمة ياسين
 في سوريا الحرب، تعرّضت شجرة الزيتون – كما الإنسان- لانتكاسات كبيرة ومتزايدة كلما ازداد سعير المعارك والانتقامات.. 
موطن الزيتون
تعدُّ بلادُ الشام، وبالأخص سوريا الموطن الأصلي للزيتون، بحسب عدة مراجع، ثم انتقلت زراعة هذه الشجرة، إلى المغرب العربي، ومنه إلى إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهكذا. 
وتبيّن المخطوطات والرُّقُم التي وُجِدَت في سوريا، أن شجرة الزيتون قد اكتشفت في مملكة “إيبلا”، حيث كان يُقَدَّمُ زيت الزيتون في هذه المملكة كهدية للملوك والأبطال.
لم يشفع هذا التراث الحافل  للزيتون في سوريا من أن تطاله نيران الحرب التي أكلت معظمه، وجرّدت مساحات واسعة من الغطاء الأخضر عن هذه البلاد.. بل على العكس عانت أشجار الزيتون زمن الحرب أكثر من غيرها بسبب تمركز زراعة مساحات كبيرة في أماكن النزاع والتوتر والقصف.
وتقول الإحصائيات: إن شجرة الزيتون تشكل 12 % من إجمالي المساحة المزروعة في سوريا و65 % من المساحة المزروعة بالأشجار المثمرة، وتضمُّ هذه المساحة سبعة وتسعين مليون شجرة زيتون، أكثر من ثلاثة وسبعين مليون شجرة منها في طور العطاء.
معاناة مزمنة
لا شك أن معاناة هذه الشجرة في سوريا، كما هي معاناة سوريا نفسها، لم تتوقف منذ ستينيات القرن الماضي، فطرق الري التقليدية، وما سببته من فقدان جزء كبير من التربة المناسبة للزراعة، بالإضافة إلى عدم تقديم الحكومات البعثية المتلاحقة الدعم الكافي لزراعة هذه الشجرة، (ليس هذه الشجرة فحسب)، مع ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، من محروقات وأسمدة وأدوية مكافحة حشرية، بالنسبة لمعظم الفلاحين السوريين، وأيضاً أجور جني المحصول العالية والتي تحتاج إلى استئجار عمّال على نفقة المزارع البسيط نفسه، أدى كل ذلك إلى حدوث نزيف كبير في الدعم الذي كان من الممكن أن يقدّمه الزيتون للاقتصاد الوطني.
ووفق تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن القطاع الزراعي في سوريا قد خسر في عام 2012  حوالي 1.8 مليار دولار جراء الحرب المستمرة، تلك الخسارة التي تضاعفت في السنتين التاليتين 2013 ، 2014 حين لم تعد تجرى مثل تلك الإحصاءات لعدم الإمكانية، وشملت الأضرار المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، ونظم الري خاصة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير، فضلاً عن أشجار الكرز والزيتون وإنتاج الخضروات. وارتفعت أسعار السلع والمواد الغذائية في سوريا خلال الأزمة بشكل جنوني، حيث أظهرت بيانات أطلقتها حكومة النظام أن أسعار معظم المواد ارتفعت بحدود 50% أو 60%، في حين تضاعفت أسعار مواد أخرى عدة مرات، مع فقدان العديد من الأصناف والسلع من الأسواق.
سياسات خاطئة
تعدُّ محافظة إدلب من أهم المحافظات التي تعتمد في اقتصادها الزراعي على مواسم الزيتون، وسنأخذ منها مثالاً يمكن تعميمه على بقية المحافظات السورية الأخرى المشابهة لها.
لقد عانى أهالي محافظة إدلب من قطع أشجار زيتونهم من سلطات النظام، وهذه المعاناة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أجريت دراسة لتنفيذ مشروع طريق متحلّق يلتف حول مدينة إدلب من مختلف الجهات، وأسهبت حينها هيئة تخطيط الدولة في شرح أهداف وجود مثل هذا المتحلق حول المدينة، لما “سيوفره من سرعة وصول الآليات ونقل المحاصيل الزراعية والأسمدة والحفارات والتراكتورات من وإلى إدلب، ومن الحقول والمعاصر إلى البيوت”.
 وسرعان ما بدأت الجهات المعنية بتنفيذ المشروع، وباشرت بقطع الأشجار مما أثار سخط الأهالي الذين لا ينظرون إلى الزيتون على أنه مجرد أشجار منتشرة في السهول والحقول، بل يقيمونها مقام أبنائهم. وذهب بعضهم في سخطه واحتجاجه إلى حد الوقوف في وجه الجرافات، وبعضهم مد ساقه أمام الجرافة قائلاً للسائق: “تعال قص رجلي ولا تقص الشجرة”! على إثر ذلك توقف العمال عن اقتلاع أشجار الزيتون، وأبلغوا مديريهم بما حصل، وفي اليوم التالي بدأت الشكاوى تنهمر على مكتب رئيس البلدية، ومكتب المحافظ، ومدير الزراعة، وبعض الشكاوى وصلت إلى الشام، فتوقف قطع الأشجار بشكل فجائي، وأوقف العمل بالمشروع. مر أكثر من عام على تلك الحادثة، ولم يحرّك أحدٌ ساكناً في المكان، فقرر أصحاب الأشجار المقطوعة إعادة زرع شتلات زيتون جديدة عوضاً عن القديمة، ويعوضهم الله في المواسم التي خسروها، فالمهم أن إعادة الزراعة هو شيء جيد على كل حال، وخاصة بعد أن كبرت هذه الشتلات وتحولت إلى أشجار مثمرة بدورها، إذ بدأ المزارعون بقطاف ثمارها.
استمرت الحال على هذا المنوال حتى أتى العام 2000 وفوجئ سكان إدلب بالتركسات والبلدوزرات تعاود اقتلاع أشجار الزيتون في المنطقة ذاتها، بالإضافة للمناطق المجاورة، وكانت الحجة تنفيذ متحلّق حول محافظة إدلب “له إيجابيات كثيرة”، أعادوا تكرارها على مسامع الفلاحين.
أخيراً اكتمل المتحلق، ووجد له الأهالي بعض المنافع، كانتشار المطاعم الخاصة بالاصطياف، وإمكانية “السيران” واستنشاق الهواء الطلق، ولكن سعادة الأهالي لم تكتمل، فمنذ عام 2012 استخدم جيش النظام هذا الطريق لتطويق المدينة، وحاصرها بالدبابات والمصفّحات التي لا تزال حتى اليوم.
وكان عدد أشجار الزيتون في محافظة إدلب قبل الحرب، يتجاوز 14 مليون شجرة، تمتد على مساحة 123 ألف هكتار منها، نحو 271616 شجرة مروية مزروعة على مساحة 5500 هكتار، و13486877 شجرة بعل مزروعة ضمن مساحة 117 ألف هكتار، وكانت تشكل المساحة المزروعة بالزيتون في إدلب 20 بالمئة من إجمالي مساحة الزيتون في سوريا.
أسباب التراجع
أبو محمود، فلاح من قرية (جدار بكفلون) هرب إلى تركيا (بسبب شدة القصف على قريته التي يتمركز فيها أحد ألوية المعارضة المقاتلة ضد النظام) واستوطن في مدينة الريحانية التركية. يلخص لنا أبو محمود معاناة الفلاحين أثناء زراعة الزيتون بـ “انقطاع المبيدات والأسمدة بالكامل، وعدم إمكانية الحصول على أية كميات منها، واقتلاع أشجار الزيتون من الأهالي والعسكر لاستخدامها كحطب للتدفئة بعد فقدان المازوت والفيول وانقطاع الكهرباء المستمر”. 
أما السبب الأساسي، بحسب أبو محمود، فهو عمليات القصف على المنطقة بين الحين والآخر، وعدم تمكٌّن الفلاحين من الذهاب إلى أراضيهم لأيام طويلة خلال الموسم حفاظاً على حياتهم”.
وعن مناطق إدلب التي ما تزال تحت سيطرة النظام، يقول (أبو فارس) الذي يقيم في مدينة الريحانية أيضاً، لأنه مطلوب لقوات أمن النظام، بينما ينوب عنه أخوه في إدارة أرضه: “لم نتمكن هذه السنة من زراعة أرضنا لكونها قريبة من المتحلق المنحوس ومفتوحة أمام حاجز لجيش العصابة الأسدية، والأمر المضحك أن أرض جاري (أبو عمر) الذي ترك البلد هارباً مع أولاده، قد أصبحت كراجاً لدبابات النظام”.
من درعا بدأت..
تضفي شجرة الزيتون في درعا، كما في كل أنحاء العالم، طابعاً أخضر يعطي مشهداً جمالياً يضاف إلى جمال درعا وطيبة سكانها، فشجرة الزيتون التي كانت تمنح فصول السنة خضرة دائمة تأتي في طليعة الأشجار المثمرة فيها، من خلال مساحة قدرها ثلاثون ألف هكتار، منها /5470/ هكتاراً مروية والباقي بعلية. وقد تعرضت هذه الزراعة في درعا إلى كثير من عمليات القطع والحرق والإهمال، وعانى سكان درعا كثيراً، منذ أكثر من ثلاث سنوات وحتى اليوم، جراء تراجع مواسم الزيتون والخضراوات، بالإضافة لمعاناتهم الأساسية الناجمة عن الاشتباكات المستمرة، وقصف قوات النظام الذي لايزال يحاول خلالها استرداد كامل درعا من كتائب المعارضة المسلحة الموجودة فيها. ومع قدوم “جبهة النصرة” وتشكيلها القسم الأهم من الكتائب المقاتلة في درعا، بات الصراع بينها وبين النظام لا ينتهي، بدون هدنات أو حالات هدوء يستطيع عبرها المزارعون أن يمارسوا قليلاً من نشاطات الزراعة أو غيرها.
ثمّة أصنافٌ عديدةٌ من الزيتون المزروع في محافظة درعا أهمها:(الاسطنبولي، والقيسي، والصوراني، والنبالي، وأبو شوكة، والرومي، والدان، والمصعبي)، وتتميز جميعها بارتفاع إنتاجيتها، وجودة زيوتها، وتنتشر في مختلف أنحاء المحافظة، وخاصة في مدينة درعا وبلدات (داعل، نوى، طفس، الشيخ مسكين، ابطع، ازرع، غزالة، جاسم، انخل، الحارّة). 
زيتون الساحل
 ولعل ما يُذكر عن درعا، يمكن تعميمه على مدن الساحل السوري، ولكن هنا بدرجة أقل، كون شدة الحرب في الساحل أخف وطأة، ومقتصرة فقط على بعض المناطق في ريف اللاذقية، حيث عمليات القصف العشوائي من مقاتلات النظام محدودة في هذه المناطق، وتكاد تكون نادرة.
المحصول من فم السبع
كانت سوريا تحتل المرتبة الأولى أو الثانية عربياً في تصدير زيت الزيتون، أما اليوم فقد أصبحت عملية عصر الزيتون واستخراج الزيت منه تشكل عبئاً ثقيلاً على الفلاح السوري، ما أدى لتراجع مكانة البلاد على هذا الصعيد، مع العلم أن شجرة الزيتون تحتاج، كغيرها من الأشجار المثمرة، لتكوين نموها وإنتاجها الثمري، إضافة إلى الأسمدة العضوية والمعدنية، على الرغم من تحملها لظروف التربة الفقيرة والقليلة الخصوبة، بالإضافة إلى أنه، وعلى الرغم من أن أغلب أشجار الزيتون المزروعة في القطر هي في أراض بعلية، إلا أن الدراسات والأبحاث تشير إلى أن تعرُّض أشجار الزيتون في فصل الصيف وبداية الخريف للجفاف يؤدي إلى انخفاض نسبة الزيت المتشكلة من الثمار بشكل ملحوظ مقارنة مع الأشجار التي يتم ريّها. فريّ الأشجار خلال أشهر الجفاف يؤدي لإنتاج أفضل من الزيتون والزيت، وهو ما لا توفره ظروف الحرب.
يقول المزارع (أبو غياث)، الذي استطاع أن ينجو بحياته مع أسرته، حيث يقيم الآن في مدينة أنطاكيا التركية: إن “النظام السوري كان يتدخّل فيما يعنيه، وما لا يعنيه من عمل الفلاح. ففي إحدى السنوات كان عندنا محافظ غبيّ، أصدر تعميماً يقضي بمنع استقبال المعاصر للزيتون قبل الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، وكأنه يفهم في الزراعة أكثر منا نحن الفلاحين أباً عن جد”! وأضاف: “لقد كانت معاصر الزيتون منتشرة في كل مكان، وكلها تتبارى في تحسين الإنتاج، ورفع مستوى الإنتاجية، أما اليوم فنحن نذوق الأمريّن حتى نعثر على معصرة لديها إمكانية لاستقبال زيتوننا، لأن معظم المعاصر أغلقت، إما بسبب القصف، أو بسبب احتلالها من عناصر جيش النظام، أو لعدم تمكن أصحابها من تأمين الوقود.. وحينما نعثر على معصرة تعمل، نضطر لانتظار الدور لأيام طويلة، أو حتى أسابيع، ثم ندفع عمولات مضاعفة ثلاث أو أربع مرات عما كنا ندفعه سابقاً، حتى نصل إلى فتحة العصر والسكب.
لم يشأ (أبو غياث) التحدث، لكننا أصررنا عليه، فقال: “يوجد شبّان محسوبون على الثوار، الله يصلحنا يا رب، يرتكبون تجاوزات ذكرتني بتصرفات عناصر المخابرات قبل الثورة، فأحدهم دخل إلى المعصرة ومعه رشاش، وأجبر صاحب المعصرة على أخذ دور الجميع! هذا الشيء معيب، ولا يليق بثورتنا”. ويعتبر أبو غياث، أن “المرحلة الأصعب التي تواجه الفلاح، هي عملية نقل الزيت لبيعه في الأسواق المحلية”. فهنا يوضح الفلاح الإدلبي، “يتوجب عليك أن تدفع ما تبقى لديك من مال على شكل “أتاوات” متكررة لمرور هذه البضاعة على كل حاجز، فإذا لم تتم مصادرتها من قبل أي حاجز، أنصحك أن تصلي ركعتي شكر لله، ثم ركعتين آخرين “طلب حاجة”، وتدعو الله أن لا يتم قطع الطريق- اليوم- بشكل مفاجئ وأن تكون بضاعتك بعيدة عن مرمى قذائف الهاون والبراميل المتفجرة!! وبعد كل حساب، حينما تصل إلى أحد الأسواق يمكن أن تضطر لبيعه بنصف القيمة التي كانت عليها قبل سنين، لأنه ليس لديك الوقت ولا ظروفك تسمح لك بالانتظار حتى يأتي السعر المناسب”!! 
لا يوجد تصدير
هناك سبب آخر، في الحقيقة، يؤدّي إلى انخفاض سعر زيت الزيتون السوري، وهو زيادة عرض السلعة في السوق المحلي رغم قلتها، وهذا يعود إلى عدم القدرة على تصديرها إلى خارج البلاد. فقد كانت نسبة طرح زيت الزيتون في السوق المحلية سابقاً لا تزيد عن 40% من كمية الزيت المنتجة والباقي يذهب للتصدير، أما اليوم فمقاطعة معظم الدول التعامل مع النظام السوري، إضافة للحرب التي أتت على كل شيء، حدّت بشكل كبير جداً من تصدير المادة، ما أثرّ بشكل رئيس وكبير على المواطن السوري البسيط، الذي تحمل، ومازال، العبء الأكبر من فاتورة الحرب.
“ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون”:
جدير بالذكر أن الزيت ليس هو المادة الوحيدة من منتجات الزيتون التي تأثرت من جراء الأحداث، فصناعة الصابون، التي كانت تتم من بقايا الزيت غير الصالح للاستهلاك، قد انعدمت أيضاً أيام الحرب، بالإضافة إلى انعدام إمكانية الحصول على مادة “البيرين” المستخدم في صناعات متعددة،  كتصنيع وقود لتشغيل المعامل والمصانع، وللتدفئة، أو صناعة فحم للأراكيل.. 
وكان يتم الحصول على مادة البيرين من البقايا الناتجة عن عصر الزيتون في المعاصر بعد معالجتها بطرق معقّدة، لا تتيح أيام الحرب، بالطبع تنفيذها، وأصبحت ترى “كونترات” الزيت المهملة في سوريا تحيط بالمعاصر لأيام وشهور، كما هي جثث معظم الشهداء هنا، لا تجد من يدفنها أو يلقي عليها السلام!!

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *