الرئيسية / Uncategorized / ذاهبون إلى اسمك يا حلب

ذاهبون إلى اسمك يا حلب

ميسون شقير /

ذاهبون من أسمائنا إلى لغة المعنى، ذاهبون إلى اسمك يا حلب. لم نحمل معنا غير الأحمر المجروح في دمنا، تركنا عيوننا على الجدران، تركنا الجدران فوق بعضها، تركنا الليل بلا مساء، تركنا أطفالنا يذهبون إلى الموت جماعات وفرادى، تركناهم يكملون أحلامهم هناك، أحلامهم التي بقيت في عيون لن يفتحوها بعد الآن، تركنا ألعابهم وحيدة وخائفة، وتركنا دفاتر الرسم التي لون دمهم فيها رسوماتهم، لونها كاملة.

 

ذاهبون إلى اسمك يا حلب، نخبئ روحنا في مقاماتك، ولم يعد هناك وقت كي نعددها، ولا كي نميز بينها من أول سماعنا للوتر المشدود كالقلوب. دخلنا مقام النار يا حلب، دخلناه، ولم نخطئ في ترديده، دخلناه وحفظناه كله، وأقمنا من ألحانه كل هذه الموشحات، وغنينا يا حلب بصراخ النار في جسد المكان، غنينا القدود الطالعة من صوت الأمهات حين يصير التراب سرير أولادهن، السرير الذي لن يهز بعد هذا اليوم والأطفال الذين لن يصرخوا.

 

ذاهبون إلى أول الأبجديات، إلى الليلة الأولى لأول المدائن على هذه الأرض، ذاهبون إلى أقدم الممالك، ذاهبون لاسمك يا حلب، ولم يعد في أصابعنا نولك، ولم تعد أصابعنا في النول، ولم يعد الغار يملأ إلا صابون غسيل الموتى، فلا تخافي يا حلب على جلدنا، سيكون ناعما، وطريا، كما أراد غارك، سيكون جلدنا جميلا جدا في القبر.

 

ذاهبون من موائدنا إلى الموت الطازج والحار، الموت المشوي والمطبوخ بعناية فائقة، ذاهبون إلى الموت المقدد والمعلق على زوايا البيت، ذاهبون يا حلب، كي نقشر الحياة عن جلدها، وكي نطعمها للآخرين، وكي نصير حطب التنور ورماده، وتعلو النار، يعلو الأحمر يا حلب، ونخبز جيدا خبز هذا الوجع.

 

ذاهبون عنك يا حلب، لا نحمل معنا إلا صورتك الأخيرة، والشامة التي كانت على خدك الأبيض، ذاهبون لكي نلم وجهك من كل الإذاعات، من كل الجرائد والمجلات، نلمه من أخبار الموت العاجلة وغير العاجلة، نلم ملامحك من الصور، نلمها من عيوننا، وندخلها وجه المجزرة.

 

ذاهبون إلى سوقك العتيق يا حلب، ذاهبون مع عائلاتنا كلها، الطائرات ذهبت قبلنا، والطائرات اشترت كل ما غزلته يداك يا حلب، اشترت وباعت بكل الأحجام وكل المقاسات، الطائرات التي كانت حنونة جدا وتركت لنا كل الأكفان، الأكفان التي كانت جيدة الصنع وعريقة.

 

من يحمل عنا اسمك الآن يا حلب، من يحمل هذا الصليب وينزلنا عنه بعد موتنا، من يرتل السماء فوقنا، من يصلينا يا حلب، من يرفع فينا آذانه! هو الموت يا حلب، الموت وحده من لا يعنيه اتجاه القبلة.

 

القاتل يجلس الآن في شرفته، يطمئن من هناك عنا، يطمئن عن المرضى في مشفى القدسي، يطمئن عنهم جميعا، يستفسر بدقة عن الأطفال، القاتل الطيب القلب والرحيم، يرسل إليهم طائراته وهداياه الصاروخية كي تريح الأطفال المرضى من أوجاعهم بأسرع مما تفعله كل أدوية العالم، وكي تريح من بكائهم طبيبهم الوحيد.

 

القاتل يا حلب لا يستطيع أن يتهجأ اسمك، ولا يستطيع أن يردده. القاتل يا حلب، يغلق على اسمك جهاته كلها، وينسى أن كل جهة توصلك إلينا، نحن سكانك الذين يموتون في النهار، وينظفونك من موتهم في المساء، ثم يعدون العدة ليوم قصف جديد. القاتل يا حلب لا يستطيع أن يحصيك، فينسى أنك كل مدن الأرض. تسقط أحياؤك على الخارطة بلدا بلد. القاتل ينسى أن المدن كالجميلات، ترمي نفسها في القصائد، في أرض العبارة، في سماء المعنى، في واقعية المجاز. المدن كالجميلات ترمين أنفسهن فينا قبل أن يمتن.

 

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *