الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / المشاريع المتوسطة والصغيرة: عشر سنوات بحثاً عن تعريف

المشاريع المتوسطة والصغيرة: عشر سنوات بحثاً عن تعريف

سقراط العلو - صدى الشام/

منذ انطلاق مسيرة التحديث والتطوير في سورية بقيادة بشار الأسد، انحصرت كل الرؤى للتطوير الاقتصادي في المشاريع المتوسطة والصغيرة، ونظمت في فوائدها الأبحاث التي كانت أشبه بقصائد الغزل، ولهجت ألسنة الاقتصاديين السوريين نثراً وشعراً بما يعتمل في قلوبهم من حب وإيمان بقدرة تلك المشروعات على إحداث نقلة نوعية في اقتصادنا الوطني، ولم يقتصر الاهتمام والدراسة على تلك المشروعات فقط، بل وصلت النظرة الميكروسكوبية لمسؤولينا الاقتصاديين إلى حد اكتشاف المشاريع المتناهية في الصغر. وبنتيجة نضالات المؤمنين بهذا النهج الاقتصادي لمدة تزيد عن عشر سنوات، تم إقرار مجلس الشعب لـــ قانون إحداث “هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة” في سورية 29-12-2015، حيث أقر المجلس مشروع القانون المتضمن إحداث هيئة لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ترتبط بوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، لتحل محل الهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات، بما لها من حقوق وما عليها من التزامات، وتؤول إليها جميع أموالها المنقولة وغير المنقولة، المستثمرة والمشغولة من قبلها وأصبح قانوناً.

خلص اجتماع ضم الجهات السبع المشرفة على الاقتصاد السوري إلى نتيجة وحيدة وهي تأكيد جهل كل الجهات المعنية في حكومة الأسد العتيدة “بتعريف المشاريع المتوسطة والصغيرة”.

لكن هذا النصر الذي يشبه انتصارات الجيش العربي السوري اصطدم بكارثة كبرى حدثت الأسبوع الماضي، ألا وهي جهل كل الجهات المعنية في حكومة الأسد العتيدة “بتعريف المشاريع المتوسطة والصغيرة”، وذلك ما خلص إليه اجتماع ضم الجهات السبع المشرفة على الاقتصاد السوري، وهي وزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والصناعة والسياحة والإدارة المحلية والزراعة والإصلاح الزراعي وغرف التجارة والصناعة والزراعة وعدد من الهيئات والجهات الحكومية والمديرون المعنيون في هيئة الاستثمار السورية، بالإضافة لممثل عن مصرف سورية المركزي، وذلك في ورشة العمل التي أقيمت بمقر هيئة الاستثمار تحت عنوان “دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دعم الاقتصاد الوطني”. وفي كلمة لها، شرحت الدكتورة إيناس الأموي، نائب مدير عام هيئة الاستثمار السورية، دور الهيئة في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مبينة أنه “لا يوجد حتى اللحظة تعريف واضح ومحدد لهذه المشاريع”. مؤكدة أن أي تعريف يجب أن يكون “مرناً وقابلاً للتلاؤم مع متطلبات المرحلة الراهنة” إلى جانب الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار والاختراع الذي يمكن أن يكون نواة للمشاريع المستقبلية.

من جانبه قال مدير تنمية المشروعات في الهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات، أحمد خليل، أن الهيئة ما زالت في “طور وضع الأنظمة والبرامج لعملها”، موضحا أن “وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية وجهت منذ شهر دعوات لكل الجهات العامة لوضع تعريف للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث ستقوم الهيئة خلال شهرين بإقامة ورشة عمل تضم ممثلين عن كل الجهات العامة لوضع هذا التعريف”.

فهل من الصعب جداً إيجاد تعريف للمشروعات المتوسطة والصغيرة؟ وهل إيجاد مثل هذا التعريف بحاجة لورشات عمل تنبثق عنها لجان؟ ببساطة يستطيع السادة حملة شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، والذين عجت بهم ورشة العمل تلك، أن يعودوا إلى كلية الاقتصاد التي تدرس مادة كاملة عن المشروعات المتوسطة والصغيرة، ونظرة خاطفة إلى مكتبتها ستعطيك عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه التي تدرس المشروعات المتوسطة والصغيرة في سورية، وتاريخها ومشكلاتها وسبل تطويرها، وسنعرض لهم إحدى التعريفات التي وردت في كتب جامعة دمشق. وأيضاً لنعرف عمق كارثة هذا الطرح لتنمية الاقتصاد عبر مفهوم حكومة الأسد لتلك المشروعات: “المشروع المتوسط والصغير: هو العمل الذي يمتلك ويدار من قبل فرد أو أفراد معدودين وبشكل مستقل، ويعمل فيه عدد قليل، ولا يهيمن بأي شكل من الأشكال على القطاع الذي يعمل فيه”.

المشروع المتوسط والصغير: هو العمل الذي يمتلك ويدار من قبل فرد أو أفراد معدودين وبشكل مستقل، ويعمل فيه عدد قليل، ولا يهيمن بأي شكل من الأشكال على القطاع الذي يعمل فيه

جدول يبين الفرق بين المشاريع المتوسطة والصغيرة بين الدول:

الدولة الأعمال الصغيرة الأعمال المتوسطة
امريكا بين 5 – 500 عامل  
الاتحاد الأوروبي بين 10 – 99 عامل  
اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا بين 5 – 250 عامل  
ماليزيا أقل من 50  
سورية 9 عمال أو أقل 10 – 30 عامل
الأردن 4 عمال بين 5 – 9 عمال

يظهر الجدول عمق حالة الجهل التي يعانيها اقتصاديو النظام، واعتمادهم على وصفات جاهزة تطبق في دول متقدمة بعشرات السنوات الضوئية عن سورية. فوفق معيار عدد العمال، وهو أهم معيار لتعريف المشاريع المتوسطة والصغيرة، يتبين عمق الهوة بين سورية والدول التي تعتبر تلك المشاريع رافعة للنمو فيها. فما يعتبر من المشاريع المتوسطة والصغيرة في غرب آسيا يعد من العظمة بما يكفي لإدراجه بين إنجازات الحركة التصحيحية في سورية. فمشروع بسطة شاي في الطريق لا يعد مشروعاً صغيراً، ومحل الفلافل ليس من المتوسطة كما تعتقد حكومة الأسد. ونتيجة تلك العقلية تعرضت العديد من المنتجات السورية بين عامي 2008 و2010 إلى تراجع حاد بالنسبة للصادرات والحصة السوقية أمام منتجات دول عربية ومجاورة مثل تركيا والإمارات والسعودية والأردن. ولعل هذا التراجع بدا شديد الوضوح في مجال صناعة المفروشات، تلك الصناعة التي تعد من أعرق الصناعات السورية ذات السمعة العالمية. حيث تراجعت الصادرات السورية من المفروشات من 8328 طناً بقيمة 819.9 مليون ليرة سورية عام 2008 إلى 3838 طناً بقيمة 247.9 مليون ليرة سورية عام 2009 (المكتب المركزي للإحصاء 2011). كما ارتفعت نسبة المستوردات من الأثاث الخشبي من 282.9 مليون ليرة سورية عام 2008 إلى 307 مليون ليرة في 2009 حسب نفس المصدر. وأعلنت إيطاليا أنها صدرت إلى سورية مفروشات بقيمة 3.3 مليون يورو بزيادة قدرها 56% عن عام 2008.

تراجعت الصادرات السورية من المفروشات من 8328 طناً بقيمة 819.9 مليون ليرة سورية عام 2008، إلى 3838 طناً بقيمة 247.9 مليون ليرة سورية عام 2009، بحسب المكتب المركزي للإحصاء 2011.

لا تقتصر المشكلة على التراجع في الصادرات فحسب، بل وصلت إلى إفلاس وإغلاق العديد من الورشات العاملة في تلك الصناعة وتسريح العديد من العمال، واستمرار الباقي من الورشات العاملة في تلك الصناعة بالعمل بالحد الأدنى من الربح، أو مع تحقيق خسائر وعدم الخروج من السوق نتيجة لوجود عوائق خروج كبيرة. ويمكن أن نعزو تلك المشكلة إلى هيكل صناعة المفروشات في سورية المجزأ بشكل كبير، حيث تعتمد تلك الصناعة على عدد كبير من الورش التي تصنف ضمن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تعاني ضعف الخبرة الإدارية والتسويقية، وضعف التكنولوجيا المستخدمة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكاليفها، وبالتالي ارتفاع سعر منتجها مقارنة بالمفروشات التركية أو المصرية أو الماليزية مثلاً، والتي استطاعت الحصول على حصة سوقية كبيرة من السوق السورية نتيجة لانخفاض أسعارها نسبياً عن المنتجات السورية، وحداثة تصميماتها وقدرتها التسويقية وسهولة دخول السوق السورية نتيجة ضعف عوائق الدخول بالنسبة لشركات المفروشات في تلك الدول، والتي تعتبر من المشاريع الكبيرة من حيث الحجم والتي تعجز ورش المفروشات عن صد هجماتها ومنافستها.

في ظل هذه الرؤية الحكومية لتنمية الاقتصاد ودور المشاريع المتوسطة والصغيرة في تلك التنمية، ليس من الغريب أن يعوض محافظ السويداء أهالي الشهداء “بمعزة” بدلاً من أبنائهم، علها تكون معيلاً لهم وتدعم الاقتصاد الوطني.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *