عبد القادر عبد اللي - صدى الشام/
عندما أُعلن عن دخول تركيا منطقة الشنغن، أي دخول المواطنين الأتراك الدول الأوربية الأعضاء بهذه الاتفاقية دون تأشيرة دخول، تصدر الصحف العالمية عنوان رئيس شبه وحيد وإن اختلفت صياغته: “تركيا ابتزت أوربا في قضية اللاجئين السوريين مقابل إلغاء التأشيرة”. وبالطبع، فقد قدم هذا الأمر على أنه غير أخلاقي، وأن تركيا منعت خروج اللاجئين من تركيا مقابل حصولها على هذه الاتفاقية…
من الطبيعي أن يدخل الناس العاديون اصطلاحات مطاطة لا يمكن تأطيرها في إطار عندما يتحدثون بالسياسة، ونحن في سورية بتنا لا نستخدم سوى هذه المصطلحات، وانتقلت هذه العدوى إلى الناشطين ومنهم إلى كثير من المجاهدين، فأصبح كلامنا كله: “قيم، أخلاق، إنسانية، شرع الله…”.
السياسيون الوطنيون يعملون لمصالح أوطانهم. فأوباما يعمل لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما يكون الخامنئي مصلحة أمريكية فعلينا أن نكون واثقين من أن أوباما سيكون أكبر داعم له بكل ما أوتي من قوة، ولا يُستثنى أحد من هذه القاعدة. وبمناسبة القاعدة، عندما كانت القاعدة مصلحة أمريكية منحتها الولايات المتحدة دعماً غير محدود…
والحكومة التركية أيضاً تعمل لمصالحها بحسب رؤيتها، يمكن لمصالحها هذه أن تؤذينا، وقد أذتنا في بعض المرات، ويمكن أن تفيدنا، وقد أفادتنا في مرات أخرى أيضاً… ولكننا حتى الآن ما زلنا نعمل وفق العصبة القبلية “عليهم، عليهم… معهم، معهم…”.
لا يمكنك أخي الناشط (أصبحت كلمة ناشط توازي كلمة مواطن، فالكل ناشطون) أن تفصّل حتى مختارية في قرية مؤلفة من عدة بيوت وتنور على كيفك، فكيف تريد أن تكون حكومة دولة على مزاجك؟
أزمة الحكومة التركية الراهنة، واستقالة أحمد داوود أوغلو كشفت أن الصحف العالمية كلها كانت تردد كذبة واحدة هي: “تركيا ابتزت أوربا في قضية اللاجئين السوريين”…
الأنكى من هذا، تبين أن العكس تماماً هو الذي حصل، فقد كانت أوربا تبتز تركيا، ولا علاقة للاجئين السوريين بالأمر، وإن كانت القضية تمس بجانب من جوانبها القضية السورية. لقد اشترط الاتحاد الأوربي على تركيا تعديل قانون مكافحة الإرهاب، وحتى تعديل التعريف التركي للإرهاب، وتضييقه. طبعاً ترجمة هذه العبارة هي: “وقف الحرب على حزب العمال الكردستاني، وإخراج وحدات حماية الشعب من قوائم الإرهاب”. بالطبع فإن حزب العمال الكردستاني على قوائم الإرهاب الأوربية رسمياً، ولكن الدول الأوربية كلها تقريباً تتعامل مع هذا الحزب بشكل علني، وهناك علاقات سياسية وحتى عسكرية مع كثير من دول الاتحاد الأوربي. فإدراج هذا الحزب على قوائم الإرهاب الأوربية هو نظري، أو “حبر على ورق”، ورفضت أوربا إدراج وحدات حماية الشعب في قوائم الإرهاب على الرغم من أن أرقام الحكومة التركية تشير إلى أن ستين بالمائة من الضحايا التي قدمها هذا الحزب في سورية هم أعضاء في حزب العمال الكردستاني، وهم من التابعية التركية، وحتى الصور التي تجمع قيادة هذا الحزب في شمال سوريا مع المسؤولين الأمريكان نادراً ما يدخل كادرها كردياً سورياً، والجميع تقريباً من التابعية التركية…
أي أن الأمر له علاقة بسورية من بعيد، وليس بشكل مباشر، ولم يكن المعترون المساكين السوريون مدرجون على الفاتورة…
في الوقت الراهن لا يوجد في تركيا حزب سياسي يمكنه أن يقبل الطلب الأوربي، وقد شوهد في البرلمان التركي موقف موحد لأحزاب الشعب الجمهوري والحركة القومية مع العدالة والتنمية في التصويت على الإذن للقوات التركية أن تقوم بعمليات خارج حدودها في سورية والعراق ضد هذا الحزب. وكذلك الأمر صوت ممثلو الأحزاب الثلاثة نفسها في اللجنة الدستورية على مشروع إسقاط الحصانة عن بعض نواب حزب الشعوب الديمقراطي بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية. بمعنى آخر، عندما يتعلق الأمر بحزب العمال الكردستاني، تخرج القضية من كونها جدلاً سياسياً أو صراعاً داخلياً، وتتوحد الأحزاب التركية كلها ضد هذا الحزب.
أوربا ترى هذا وتقرأه جيداً، وعلى الرغم من ذلك فهي تحاول أن تفرض ما تريد.
هناك من وقف من الأتراك في وسائل التواصل الاجتماعي، وقال: “الأوربيون أعداؤنا”، وهناك من شتم وقال كلاماً مخجلاً… ولكن على المستوى الرسمي سادت لغة المصالح…
كثير من الأحيان نخطئ القراءة، وننخدع، وهذا ليس نقصاً ولا عيباً، ويمكن تحويله إلى عمل إيجابي فيما لو أحسنا استخدامه، بمعنى لو أخذنا منه درساً…
أحبوا من شئتم من السياسيين، واكرهوا من شئتم… هذا خيار، ولكل إنسان حق الخيار. العالم كله يبيع ويشتري، ومثلما أوربا تبيع، وتشتري تركيا أحياناً، وترفض الشراء في أحيان أخرى، هناك أطراف كثيرة تفعل الأمر نفسه…
لسنا محور العالم، ومن استرخص دماء الآخرين، سيسترخص الآخرون دماءه. القضية ليست أخلاق، فكل أنظمة العالم ومنذ نشأة التاريخ كانت تدعي الأخلاق، فلماذا كل الحروب إذاً… الأمر نفسه ينطبق على “الشريعة” كل الأنظمة التي تأسست منذ وفاة الرسول حتى اليوم في الدول الإسلامية قالت إنها تطبق الشريعة… والغريب أنها إمارات وممالك وسلاطين… وبعض حكامها حملوا عشرات الألقاب… ولديهم كلهم شرعيون أوجدوا التفاسير المناسبة والشرعية القوية المبنية على النصوص… بمعنى طوعوها وفقاً للمصلحة…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث