الرئيسية / رأي / صراع شبه مُعلَن بين أرضوغان وغول

صراع شبه مُعلَن بين أرضوغان وغول

عبد القادر عبد اللي 
منذ الإعلان عن الانتخابات الرئاسية التركية، ارتفعت بورصة التوقعات والتكهُّنات حول خليفة أرضوغان. وإذا كان قد تراءى للبعض أن هذه القضية قد حُلّت، وحُسمت بتعيين أحمد داوود أوغلو رئيساً للوزراء، وخوضه انتخابات المؤتمر العام لحزبه باعتباره مرشحاً وحيداً لرئاسة الحزب، ونجاحه، فإن تصريح عبد الله غول إثر هذا التعيين: “من الخطأ الدخول إلى المؤتمر بمرشّح وحيد” أعطى مؤشّراً مهمّاً على أن الرئيس التركي السابق قد وصل بإظهار امتعاضه إلى الرأي العام بعد أن كان كل شيء يتم في الغرف المغلقة. 
لقد مضت السنوات السبع -فترة رئاسة عبد الله غول- بشكل سلس، وعلى الرغم من محاولة الخصوم والمنافسين بنشر ما سُمِّي تسريبات عن خلافات بين غول وأرضوغان، إلا أن هذه التسريبات سرعان ما كان لقاء الرجلين الودّي، وتصريحاتهما تدحض هذه الأقاويل وتبدّد تلك الشائعات. فقد مضت الفترة بانسجام تام إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها رجب طيب أرضوغان من الدورة الأولى، وتقديم عبد الله غول تصريحه الشهير: “سأعود إلى حزبي”. فليس من المعقول أن يعود غول إلى حزبه مجرد عضو عادي، فالرجل كان وزيراً في حزب الرفاه، وهو القائد الشريك الأساسي بتأسيس حزب العدالة والتنمية، ورئيس هذه الحزب في فترة الحظر الذي كان مطبقاً على أرضوغان، ثم شغل منصب وزير الخارجية، وبعدها رئيس الجمهورية. لم يقل سأعود إلى السياسة، العبارة كانت واضحة: “سأعود إلى حزبي”، وعند اقتران هذه العبارة بالعبارة الأخرى التي تعدُّ الدخول إلى المؤتمر العام للحزب بمرشّح واحد خطأ، فلا بدّ من قراءتها امتعاضاً من غول لهذا التعيين الذي يحاول قطع الطريق عليه، فمن غير المعقول أن يعود مَن شغل تلك المناصب الرفيعة إلى منصب عادي. 
يشترك المحللون السياسيون الأتراك باعتبار داوود أوغلو رجل الدبلوماسية التركية المميز الذي ليس لديه خبرة في قيادة الحزب للسياسة الداخلية، وليس لديه الكاريزما القوية في نزوله إلى الساحات العامة لخوض الصراع السياسي في الانتخابات البرلمانية القادمة في عام 2015، أو كما أسمته الصحافة العالمية: “الرجل الذي سيقبع في ظل رجب طيب أرضوغان”
لقد تعرّض حزب العدالة والتنمية لهزات قوية، وإذا كان قد خرج من هذه الهزات أقوى من قبل، فقد خلّف انقساماً سياسياً حاداً أوصل الاحتقان إلى الذروة. 
كان أرضوغان يخطط للصعود إلى القصر الرئاسي محمّلاً بصلاحيات واسعة من خلال دستور جديد ينتقل بالبلاد من نظام برلماني إلى نظام “شبه رئاسي”، ولكن الرياح لم تهب كما اشتهى ربّان السفينة التركية، وحالت المعارضة دون تمرير الدستور الجديد، وهذا يعني أن أرضوغان سيكون حتى الانتخابات البرلمانية القادمة على الأقل رئيس جمهورية دون صلاحيات مثله مثل عبد الله غول والرؤساء السابقين. فهل هذا الوضع هو الذي غيّر خطط الرئيس الجديد بتعيين داوود أوغلو ليدير السياسة الداخلية من خلاله؟ 
يمكن ألا تنعكس هذه التطورات على الحزب سلباً بشكل كبير على المدى القصير، ولكنّ هناك انتخاباتٍ برلمانيةً قادمةً يحتاج فيها حزب العدالة والتنمية إلى فوز كبير، وحصول الأكراد أيضاً على عدد جيد من المقاعد على حساب حزب الشعب الجمهوري ليتحالف مع كتلة الأكراد من أجل تمرير الدستور الجديد الذي يمنح رجب طيب أرضوغان الصلاحيات التي يريدها. 
عدَّ كثيرٌ من المراقبين بأن عبد الله غول هو الشخصية الأنسب لتنفيس الاحتقان السياسي القائم في تركيا، فهو الرجل الهادئ البعيد عن الانفعالات والذي يمكن أن يحافظ على وحدة حزبه وتماسكه. 
لا شكَّ أن بقاء أرضوغان في الواجهة، سيبقي على الحزب متماسكاً إلى حين، ولكن ماذا لو تصاعدت التصريحات، وظهر امتعاض غول إلى السطح أكثر، ألن يكون في هذه الحال من الصعب المحافظة على تماسُك هذا الحزب؟ 
يعتمد أرضوغان على قوة شخصيته وحزمه في الإبقاء على الحزب متماسكاً. ولكن هذه التجربة لها سابقة في السياسة التركية، فعندما صعد طورغوت أوزال إلى رئاسة الجمهورية لم يستطع خلفاؤه الإبقاء على تماسُك الحزب، وقيادته إلى النجاح في الانتخابات التي تلت، ومات حزب الوطن الأم قبل موت مؤسسه ورئيسه الذي نقل تركيا نقلة نوعية كبرى. 
يعدُّ أرضوغان حزبَهُ امتداداً لحزب الوطن الأم، وعلى الصعيد التنموي حقّق نقلة نوعية كبرى شبيهة بنقلة أوزال، ويعرف قادة هذا الحزب مصير مَثَلُهم الذي لا يخفون اقتفاء أثره، فهل يقع الحزب في الحفرة التي وقع فيها سابقه؟ لابد من وجود خطط بديلة عند العدالة والتنمية من أجل الحيلولة دون المصير الذي تعرّض له حزب الوطن الأم. 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *