عمار الأحمدالثورة السورية، هي ثورة المهشمين بالأصل؛ تساندهم وتقف معهم، وتعمل لأجل مشروعها السياسي قوى سياسية متعددة الولاءات، ليبرالية ويسارية، وهذا جزء من واقع الثورة؛ وهناك مجموعات ضيقة من الأثرياء التحقوا بها، وبالمثل شاركت كافة الطوائف، وإن بنسب متفاوتة، كما أن كثيراً من أبناء الطوائف وقفوا مع النظام. هذه هي طبيعتها العامة.ما لا يدخل في الثورة هي القوى الأصولية، بما فيها الإخوان المسلمين؛ فالشعب قام بثورة لأنه يريد حياة أفضل لكل السوريين، وبغضِّ النظر عن طبقتهم وجنسهم وطائفتهم وقوميتهم. الجهاديات لا تبتغي ذلك، وكذلك الإخوان المسلمون، فهم يصوّرون الثورة وكأنها ثورة طائفة محددة، وينشدون إما دولة الخلافة أو دولة إسلامية، ويقال عنها دولة مدنية؛ المدنية هذه هي رديف للإسلامية، بينما العلمانية تعني تحييد الدولة تحييداً كاملاً عن الأديان والطوائف، وتمثيل الناس على أساس المواطنة، التي تقوم على المساواة بين الأفراد أمام القانون، بغض النظر عن الدين والطبقة والجنس واللون والقومية. وبذلك ينصف الناس والأديان أجمعين.حين بدأت الثورة، وتمددت كانت واعية لخطورة الطائفية وأن حرب الثمانينات لم تُغلق صفحاتها، وأن النظام سيدفع بالثورة إلى ما يشبهها؛ رفضت الثورة السلفية والإخوان، ولم يكن بالبال قطعاً الجهادية. كان الأمل معلقاً بثورة سريعة، ويسقط النظام كما حصل في كل من مصر وتونس، ونتخلص من إرث الثمانينيات، ونبدأ حياة جديدة لا فقر ولا تهميش ولا شمولية فيها؛ وليس من إقصاء لطائفة ولا لجماعة قومية، وفيها المرأة متساوية بالرجل، ونبدأ واقعاً اقتصادياً أفضل، ونظاماً سياسياً ديمقراطياً، يحترم الحريات العامة والخاصة؛ هذا الأمل قُتل حالما تشكل المجلس الوطني وهيئة التنسيق ولاحقا الائتلاف الوطني. وبدلاً من طرح أهداف الثورة كما أشرنا، تم منع كل نقاشٍ، واستبسل المجلس ومناصروه في طلب التدخل العسكري فوراً، وصار كل الجهد يتركز على الخارج! وراحت هيئة التنسيق تبكي كأم ثكلى ولم يكن قد بدأ أي شيء بخصوص فوضى السلاح أو الجهادية؛ أي مارست تخويف الشعب من الثورة ومن التغيير، وطالبت النظام بالحوار كمدخل للحل السياسي، وها هي تركز على معتقليها بصفة خاصة، وكأنه ليس هناك أكثر من مائتي ألف معتقل!.قصم ظهر الثورة فوضى السلاح والمال السياسي والجهادية والإعلام الطائفي، ورغم ذلك فإن أحد تعبيرات ملايين المهجرين في الداخل والخارج والمحاصرين والمعتقلين، وحاجات الناس التي لم تتحقق؛ وبالتالي ما أوقف التظاهرات والتنسيقيات وقوى الثورة، عدا عن النظام؛ هو الدعم المركز على الجهاديات وضخ المال والسلاح وتغطية أخبارها وكأنها الثورة؛ وإيقاف الدعم للجيش الحر ولتنسيقات الثورة، والآن بالكاد نجد أخباراً عن الثورة، بينما أخبار “داعش” و”النصرة” والجبهة الإسلامية تملأ الشاشات طيلة الوقت.حين تنتهي المظاهرات، ويتقلص الجيش الحر، ويستولي تنظيم “داعش” و”النصرة” على آبار النفط، وحين تتمدد الجبهة الإسلامية على كامل التراب السوري، وتظهر الجيوش التابعة لأمريكا، وتصبح أغلبية الفصائل، التي ما انزل الله بها من سلطان، مموّلة ومحكومة بسياساتها للدول الإقليمية، هذا يعني أن هناك استراتيجية اتبعها النظام والدول المتدخلة في الثورة السورية لكي يتم حرف الثورة، وتحويلها إلى مجرد حرب بين جهاديات سنية وأخرى شيعة، بين نظام شمولي وبين قوى أصولية تبتغي إمارات وخلافات.الآن هناك كلام عن حلف دولي ضد داعش؛ وهو بالفعل تنظيم إجرامي وظيفته الرئيسية قتل الناس وإيقاف الثورة؛ أي يقوم بما يريد النظام بالضبط. ولكن ماذا عن النصرة، التي كثيراً ما نجد أتباعها يصبحون من الداوعش والعكس صحيح، وماذا عن بقية الجهاديات؟! أظن أن التمييز الذي عاد البعض للتركيز عليه، وأن داعش شي والنصرة شيء – كما يفعل قادة المجلس الوطني مجدداً، انظر تصريح جورج صبرة عن بلدة محردة وجبهة النصرة- والجبهة شيء ثالث غير صحيح؛ فالنصرة تشكلت كفرع للدولة الإسلامية في العراق، أي داعش لاحقاً، والجبهة الإسلامية تشكلت من جهاديين أطلقهم النظام من سجونه، ومن جهاديين كانوا في الخارج. مشكلتنا مع كل هذه الجهاديات في كونها لا تعترف بالثورة؛ لا تعترف بدولة لكل السوريين بل تريد دولة تهيمن هي عليها ولكن باسم السنّة، ولا تملك برنامجاً للاقتصاد، وتريد أسلمة المجتمع في كافة المجالات، وبالتالي لا تختلف الجبهة الإسلامية عن النصرة عن داعش عن أحرار الشام سوى في طريقة الوصول إلى تحقيق الأهداف ذاتها.الحديث الحالي عن تغيير ممكن في الثورة ضد داعش سيكون بالاعتماد على الجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا، وسواهما، وهذا يقتضي منهما: الإعلان الواضح أن الدولة القادمة لن تكون دولة إسلامية بل دولةً لكل السوريين، واعتبار داعش ليس تنظيماً مغالياً في التشدد الديني، بل تنظيماً إرهابياً إجرامياً باسم الدين. الجبهة الإسلامية، مارست سلوكيات أقرب إلى تنظيم سياسي يريد السيطرة على كل مفاصل الحكم القادم؛ ويمكن هنا مراقبة ما يحدث في الغوطة، وتمددها إلى كافة أنحاء سوريا كبديل عن الجيش الحر وكل تمثلات الثورة؛ وبالتالي هي تطرح نفسها كممثلة للشعب بديلا عن النظام.الحرب المزمع القيام بها ضد داعش والتي قد تكون دولية وربما يساهم فيها النظام، ستدفع بالجبهة الإسلامية إلى الأمام، وستكون شريكة فيها كذلك. ربما سيكون هناك سؤال: هل ستتعاون الجبهة الإسلامية مع النظام مع الأمريكان؟ نقول هذا ممكن جداً؛ فالجبهة بالأصل تنسق مع الأمريكان منذ جنيف، وقبله. أما حالياً فوفق ما ستأتيها الأوامر ستتحرك لا محالة!.ولكن ومع ذلك، ومع اعتبارنا لها جبهة “جهادية” فإن لديها تلمسها لخطورة الواقع ومحدودية الاحتمالات، أي هي تعرف أنها لا يمكن أن تنتهج خياراً خارج ما يريده الممول والممكن وفقاً لتجليات الصراع؛ وبالتالي يقع على هذه الجبهة، التخلي بوضوح وبنص مكتوب عن مفهوم الدولة الإسلامية، ومفهوم الجهاد، ومفهوم الحاكمية، واعتبار الثورة لصالح كل السوريين وليست لطائفة وضد طائفة. هذا الفهم ربما سيعطي هذه الجبهة بعداً شعبياً حقيقياً وربما سيجعلها أقرب لتكون سورية من أن تكون خارجية.فالجهادية شيء لا علاقة له بالثورة، والثورة شيء لا علاقة له أبداً بالجهادية.
شاهد أيضاً
هذه أنا..بلا أقنعة
ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …
المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟
ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث