ماريّا
الشّاميّ
عادت
“موضة” المخدِّرات رائجةً في الشارع السوريّ، بين جُملةِ مُحرَّماتٍ
تُعَلَّق على شمّاعةِ الأزمةِ السّوريّة، بعدما انحسرَتْ هذه الآفة الاجتماعيّة ما
يقرب من التسع سنواتٍ، منذ أخرج نظام الأسد يده من لبنان، وأعادها إلى جيوب
السوريّين، فأُحْكِمَتْ الحدود بين البلدين، ليتراجع تهريب “الحشيشة”
وتجارة المخدّرات، وتنتشر “موضاتٌ أخرى” لإعياء المجتمع السوريّ وسرقته،
حتى اندلاع الثورة السوريّة وانفلات الحدود مجدّداً،وبرعاية الأسد، الذي أراد
إظهارها فوضىً، في حال رَفْضِ الشعب للنّظام الحاكم.
مصائِبُ
قومٍ عند قومٍ فوائدُ
حسب
شهاداتٍ نشرها موقع (DW) الألماني في تقريره لعام /2013/، فإنّ الحكومة اللّبنانيّة عادت
إلى هامش السّيطرة على أراضيها مع قيام الثورة السوريّة؛ بعدما أسعفت ظروفُ
الثورةِ النّظام السوريّ بحجّة التدخّل، وهي تسرّب “إرهابيّين” من وإلى
البلاد عبرلبنان، علاوةً على تمكين حزب الله للنّظام السوريّ داخل الأراضي
اللّبنانيّة، إذ ذكر التقرير، أنّ “الوضع الأمنيّ بمنطقة هِرْمِل بعلبكّ
والبقاع الشماليّ، خارجٌ عن سيطرة الحكومة اللبنانيّة، التي كانت تُتْلِف
موادالحشيشة في حقولها، إلّا أنّ الأزمة السوريّة صرفَتِ الحكومة عن واجبها هذا،
عندما انصرفت قوّات الأمن والجيش اللبنانيّ إلى شؤون اللاجئين السوريّين، ومحاولة
ضبط أمن البلاد والحدود”.
ولم
يُبْدِ بعضُ أهالي سهل البِقاع اللبنانيّ في شهاداتهم أيّ استياءٍ من تدخّل نظام الأسد،
لأنّ الأزمة السوريّة زادت من رواج تجارة “الحشيشة” وازدهار زراعة
“الأفيون والقِنَّب الهنديّ”؛ داحضين بشهاداتهم نَفْيَ مصدرٍ أمنيٍّ
لبنانيٍّ ذلك نهاية العام المنصَرِم، معلّلاً رَوَاج هذه الموادّ في السّوق بأنها
من مخزون العام الماضي.
على
المواطن تدور الدّوائر
باتت
الحرب القائمة في سوريا شبيهة بالدوائرالتي تضيّق الخِناق على الفرد فتدفعه نحو
بؤرة المخدّرات، بدءاً من الدائرة الأوسع، وهي انحلال الدور الأمنيّ الخارجيّ
للحكومة، بعد فشل قوّات الأسد في حماية الحدود، وبالتّالي عودة تهريب المخدّرات من
الجِوار ولبنان بشكل خاص، والمفارقة أنّ أصابع النظام، وإنْ عجِزَتْ عن ضَبْط
الحدود، لكنّها لعبت في الزّراعة اللبنانيّة من جديد، فعاد ضباط الجيش
والاستخبارات السوريّة يتولّون حماية “الحشيشة” بمَعْزِلٍ عن تلّافات
الحكومة اللبنانيّة، منذ زراعة المحصول حتّى وصول الإنتاج إلى السوق، لقاء
استيلائهم على حِصصٍ معيّنةٍ منه.
أيضاً
“دائرة” تفكّك الدور الداخليّ للحكومة، عندما تصدّعت مؤسّساتها
الاجتماعيّة والاقتصاديّة، بعد انسياقها وراء التأييد المُطلق للنّظام دون الشعب،
وانصرافها للحِفاظ على هيبةٍ صوريّةٍ.
ولا
ننسى المؤسّسات الأمنيّة الحكوميّة، التي أصبحت -على العكس- تبثّ الإرهاب، بعد
استعانتها بالشبّيحة والمحكومين والمساجين السابقين للسيطرة على البلاد بالقوّة،
والّذين روّجوا بدورهم لتجارة المُخدّرات.
الأوضاع
النفسيّة السيّئة للسوريّين، داخلياً وخارِجياً،”دائرةٌ”أشد خِناقاً،
فمَنْ كان خارج البلاد يعاني اﻷمراض النفسيّة بسبب مشاهدته الحرب في بلاده يوميّاً
مع عجزه أمامها، وأكثرها شيوعاً حالات الاكتئاب.. أمّا مَنْ بقي حبيس الحرب داخل
البلاد فأكثر عُرضةً لأمراضٍ أخرى، كالتوتّر النفسيّ المُزْمِن، ردود الأفعال
الفجّة عند الخوف، اضطّرابات النّوم، كالأرَق، حالات القلق والاكتئاب، وغيرها.
كذلك المعتقلون السّابقون، أو القابعون في سجون النّظام، مرشّحون للانسياق إلى
هاوية الأدوية المُخدّرة بسبب معاناتهم؛ فبحسب الطّبيب الميدانيّ (ل. د)،
“يتقصّد السجّانون إصابة المعتقَلين بعاهاتٍ نفسيّةٍ أو عقليّةٍ قبل خروجهم،
وأكثر ما يُعانونه لاحقاً؛ الصّمت المرضيّ، بسبب قلّة التواصل مع الآخرين مخافة
التحدّث معهم بأسرارٍ ومعلوماتٍ، التوتّر الانفعاليّ بسبب أساليب التّرهيب
والتّخويف في التحقيق شبه اليوميّ، المَيْل الى العُزْلة في مساحةٍ متطرّفةٍ بسبب
الاعتياد على حَشْر المعتَقلين في منفِرداتٍ، وفقدان الثّقة بالآخرين في حالِ كانت
ظروف الاعتقال بسبب وشايةٍ أو تقريرٍ”.
وفي
ضوء التقارير الإنسانيّة الرّاصدةِ وحشيّة المُعتَقَل، فإنّ السجّانين يتقصّدون
أيضاً الضّرْب الشّديد على الرأس أو تعريضه للّصعقات الكهربائيّة، ما يؤدّي
لإصابتهم أحياناً بالانهيار العصبيّ أو الارتجاج الدماغيّ أو نوبات الصّرَع.
“دائرةٌ”
أخرى أصبحت هي الأشدّ ضيقاً وخِناقاً على رقبة المواطن الذي يعتقد الخَلاص في
المخدّرات، سواءً بالتعاطي لتحصيل السّعادة الوهميّة، أو بالتجارة لتحصيل بضعة آلاف
من اللّيرات. فالمستوى المعيشيّ المُتردّي في الأماكن المتوسّطة والفقيرة يُغَذِّي
الظاهرة، كما في مدينة (جَرَمانا) بريف دمشق، التي ضُبِط فيها مؤخّراً /11/ كيلو
غراما من المُخدَّرات. (أ. ح – 46 عاماً)، شاب من المدينة كان عاطلاً عن العمل
حتّى أغرَتْه عروضٌ شبهُ يوميّةٍ بالتورّط في تجارة العقاقير المخدّرة، تحت مُسمّى
“موزّع أدويةٍ”، يقول: “بدايةً كنتُ أبحث جاهدا عمّن يؤمّن لي
بخّاخاتٍ مهدّئةً لحالات الرّبو التي تنتاب ابنتي، أو جُرعاتٍ من (الأنسولين)
اللّازم لأمّي المُصابة بالسُكّريّ، إذ لا تتوافر الأنواع الفعّالة نفسها من
الدواء، وإنْ توافرَتْ فبأسعارٍ لا أقوى على دفعها.. حتّى طرقتُ أبواب بعضَ معارفِ
النّظام وعيونه بالمنطقة علّهم يفيدون، وفعلاً أرسلوني إلى شابٍّ صغيرٍ في
الثلاثين من العمر، فعرّفني على نفسه بأنّه موزّعٌ للأدوية النّادرة، ويمكنه
إمدادي بما أشاء من عقاقيرَ بتقسيط أسعارها الباهظة، ولم أَعِ أنّ الدواءَ أصبح
مغطساً دامياً،الدخول فيه ليس كالخروج منه !!.. فبدأ الموزع يستفزّني بما ترتّب
عليّ من مالٍ مقابل تعاوني معه وإلّا سلّمني للشّرطة بتهمة السّرقة،ومذاك علقْتُ
في دوّامة توصيل أدويةٍ بتّ أعلم أنّها مخدّرةٌ وإدمانيّةٌ، وتحصيل الأموال الحرام
مقابل ذلك، لكنّها السّبيل لتأمين الأدوية أيضاً لعائلتي، دون حَسيبٍ”.
وَصْمة
عار .. وخراب ديار
“يتلاشى
مفعول الأدويّة المهدّئة والمنوّمة مع كثرة الاستخدام، حتّى تصبح بالنّسبة للمُدمن
كما شَربة الماء!!”.. بهذا وصفت المُرشِدة الاجتماعيّة (هبة. ك) بداية طريق
الإدمان، وتُضيف: “قد يبحث بعض المُرهَقين نفسيّاً عن الرّاحة في المخدّرات
الطبيعيّة و(الحشيشة)، لِما تُمنحه لمُتعاطِها من شعورٍ وهميٍّ بالسّعادة، لكنّها
في الحقيقة حياةٌ مشوّهةٌ بائسةٌ للمُدمِن ومَنْ حَوله، بسبب ما يعانيه لاحقاً من
تقلّبات المزاج وشذوذ السلوك، وربّما يصبح نهايةَ مطاف الإدمان وحشاً يهتاج حالَ
منعه عن المخدّرات”. وعددت المرشدة الاجتماعيةّ، الآثار الجليّة التي تميّز
مُتعاطي المُخدّرات من بين عشراتٍ أو مئاتٍ من الأفراد الطبيعيّين، إذ يتّصف بكثرة
تقلّبات المزاج المتناقضة، وسرعة الكَرَب حتّى يصبح مصدر نَكَدٍ، يتحوّل لديه
لاحقاً إلى عدوانٍ لفظيّ وقد يتطوّر إلى حالاتٍ من العنف المنزليّ، والتفكّك الأسريّ،
أوانحرافاتٍ أخرى.. فيما يعاني جسديّاً من الهُزال والعُقْمٌ وتدمير الجهاز
العصبيّ مع الاستخدام المُزْمِن، علاوةً على ضياع المال في الإنفاق غير المشروع
الذي ينتهي بالفقر المُدْقِع.
تربةٌ
خِصبةٌ لحصّادين كُثُر
هدفٌ
واحدٌ يجمعُ المُتعاطين، وهو الخروج إلى “راحةٍ” من مأزق الحرب
وتَبِعاتها، لكنّ هناك سبُلاً عديدةً لهذه الغاية، وعلى اختلافها يتنوّع تُجّار
المخدّرات، بدءاً من مروّجي الحشيش الطبيعي، إلى تجّار الحبوب والكوكائين،
فالمختصّين ببيع حبوب (الكبتاغون) المسبّبة للإدمان والمعوّضة عن الحشيش، والتي
-بِحسب تقريرٍ نشرته (رويترز) مطلع /2014/ نقلاً عن خبراءٍ- زاد الإنتاج السوريّ
لها بشكلٍ كبيرٍ خلال عام /2013/، لرَوَاج المادّة كواحدةٍ من أكثر المُنشّطات
الشعبيّة طلباً.
ولا
ننسى الصّيادلة، التُجّار بالأدوية والعقاقير، الذين يستمرئون بَيْع المُنوِّمات
والمُهدَّئات ومضادّات الاكتئاب دون (روشيتّة)، علاوةً على أخطاء بعض الأطبّاء
الذين يَصِفُون هذه الأدوية بشكلٍ روتينيٍّ، لكلّ مَنْ يشتكي تعبا دون أيّ عوارضَ
جسديّةٍ مرضيّةٍ، إضافةً إلى قيام بعض العاملين في المجال الطبّي بتسهيل الحصول
على أدوات التّعاطي كالإبر الفارغة، وفي هذا تحدّثت (سلمى)، طالبة الطبّ المتدرّبة
في أحد المشافي الحكوميّة: “صادقتُ عدّة ممرّضاتٍ ومُسْعِفِين أثناء فترة تدربي،
وفهمتُ من إحدى المُمرّضات أنّ أكثر حُقن التّعاطي طلباً هي حُقَن الأطفال
والأنسولين، كونها الأكثر شيوعاً ورواجاً لإبعاد الشكّ عن طالِبها، وكونها تتّصف
برأسٍ ضيّقٍ لا يترك آثاراً ضارّةً عند حَقْنها في الوريد. لكنّ الممرّضة تملّصت
أمامي من أي مسؤوليّةٍ عن هذه الشُبُهات!! أعتقدُ أنّ بعض العاملين يبيعون هذه
الحُقَن خارج المشفى، لكن بكميّاتٍ قليلةٍ للتستّر على فُقدانها، ويحتفظون
بمردودها لهم طبعاً”.
ويًلاحَظ
أنّ تُجّار الشارع هم من أصحاب النّفوذ والتصرّف في الحكومة، إذ لا بدّ لمثل هذه
الأعمال المشبوهة، قانونيّاً وشرعيّاً وأخلاقيّاً، من ظهرٍ أمنيٍّ يستندون إليه،
وغطاءٍ ماليٍّ يستترون به، إذ يدفعون الرّشاوى هنا وهناك، لتتغاضى العيون
الحكوميّة عن نشاطهم، في حين تمتدّ أيادي كبار صانِعِي تجارة المُخدّرات عبر
باعَتِهم الصِّغار، ففي كلّ منطقةٍ تقريباً هناك شخصٌ معروفٌ بين مُدمني المادّة،
رقمه موزّعٌ عليهم لتسهيل حصولهم وتعاطيهم المخدّرات، أو حتّى بيعها على نطاقٍ
ضيّقٍ للمُتعاطين الجُدد.
ويتّسع
الخَرْقُ على الرّاقِع
بحسب
إحصائيّات وزارة الدّاخليّة السوريّة التي نشرتها خلال /2013/، استناداً إلى
معلومات نصوص الضبوط القانونيّة اليوميّة، فقد أُلقِي القبض على /1000/ متعاطٍ في
جميع المحافظات، بينهم /230/ امرأةً، هن /200/ متعاطِيةٍ و/30/ تاجرةً،وبينهنّ /5/
مُصَنّعاتٍ، ناهيك عن تورّط أطفالٍ، وهم /60/ مُتعاطٍ دون سنّ الخامسة عشر.
أمّا
الإحصائيّات الرسميّة للنّصف الأوّل من /2014/ فقط، فقد أكدت /1.491/ ضبطاً
قانونياً متعلّقاً بقضايا المُخدّرات، إلى جانب /2.071/ متّهمٍ بتجارتها أو
اقتنائها، وفيما تحاول الدّولة تأطير جُرم المخدّرات في خانة “الفساد
الأخلاقيّ للمجتمع في ظلّ الأزمة السوريّة”، إلّا أنّ شهاداتٍ عديدةً اتّفقت
على أنّ التجمّعات المؤيّدة التي تنظمها الحكومة عند الانتخابات، أو المسيرات، أو
مناسبات الهُتاف للنّظام باتت بؤر الفساد بعينها؛ بما تضمّه من دعارةٍ خفيّةٍ،
وتحرّشاتٍ فاضحةٍ، وبيعٍ للمخدّرات، وتعاطٍ للحشيشة، وغيرها من الأعمال
اللاأخلاقيّة، كالتي افتُضحَتْ به خِيام اعتصام “على أجسادنا”، الذي
سخّر النظام من خلالها شبّاناً وفتياتٍ بدعوى التصدّي للضربة الأميركيّة في أيلول
/2013/.
في
ضوء هذه الأمثلة، وهي غيض من فيضٍ،التي أغرق النّظام البلاد في وَحْل المُخدّرات،
أراد اللّواء في الدّاخلية (حسّان معروف) تلميعاً جديداً لصورة النظام أمام الشّعب، عندما صرّح في محاضرةٍ بوزارة
العَدْل أنّ: “دوريّات المكافحة ليست بالضرورة علنيّة،ً فأغلبها غير واضحةٍ
للعِيَان في الساحات والشوارع العامّة، بسياراتٍ خاصّةٍ أو عموميّةٍ أو مفتّشين
راجِلِين، يعملون على مدار السّاعة”.
ولمواجهة
هذا الواقع ولمكافحة آفة المخدرات في سوريا اليوم ترى المُرْشِدة الاجتماعيّة (هبة
ك.): أنه “يمكننا التّغَلْغُل في صفوف الشباب، لنستطيع توعيتهم، ولاسيما عبر
الإعلام الإلكترونيّ، ومن خلال المواد الصحفيّة والنشرات الدوريّة والمحاضرات
الافتراضيّة، مُعتَمدِين على صِدْق تّجارب المُتعاطين سابقاً، وعلى قدرة الصورة
المحكيّة على إيصال الأفكار، لكن برأيي.. ما جذّره نظام الأسد خلال أربعين عاماً،
ويُكمِله اليوم لإضعاف شباب الثورة، يحتاج جهودا، أضعاف ما نبذل الآن للإصلاح
والتّوعية والوقاية”.
لم
يكتفِ النّظام بحَرْق البلد، بل أيضاً بحَرْق الإنسان، عبر تقويض قدراته وتجميد
عقله وبث السّموم في مجتمعه، فلا يجعل لسوريا حاضراً قائماً دون الأسد، ويأمل ألّا
يجعل لها مستقبلاً أفضل بعد زواله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث