ثائر الزعزوع
كنت في الجزء الأول من هذه المقالة المنشور في العدد
(55) من صدى الشام قد تحدثت عن نماذج مشرفة من الإعلاميين، أو الناشطين الإعلاميين
الذين قدموا الكثير للثورة إعلامياً، وثاروا على منظومة الكذب التي كانت سائدة
ومتحكمة في مناخنا السوري قبل انطلاقة أولى المظاهرات، والحقيقة أن أولئك الناشطين
الذين دفع الكثير منهم حياته ثمناً لنقل الحقيقة، ولعلنا في عجالة نذكر محمد سعيد
ومحمد الحوارني، وخليل إبراهيم، وبراء البوشي، وهؤلاء شهداء نعلق أسماءهم أوسمة
على صدورنا، يقابلهم على الجانب الآخر عدد لا بأس به ممن باتوا يعتبرون أنفسهم لا
محركين للثورة ودافعين لها فقط، بل إن أغلبهم يعتقد، ويتحدّث عن نفسه بأنه صانع
ألمعي من صانعي الإعلام، وهو لهذا يتعامل بفوقية مع كل من لا يدور في فلكه، وقد
أتيحت لي الفرصة خلال عملي بلقاء الكثيرين من هذا النموذج المترهل، الذي يبشر
بنكسة حقيقية في حال آلت الأمور إليه، ومما يميز هذا النموذج أنه يتكبر على التعلم
وعلى البحث، وكأنّ هذين الأمرين ليسا من أولويات الإعلامي، أياً يكن حجمه ووزنه،
بدءاً بالراحل الكبير غسان تويني الذي أعتقد أن الكثير من ناشطينا لم يسمع باسمه،
بل لا يهمه أصلاً أن يسمع باسمه فهو في مرآة نفسه المكبرة أهم بكثير من تويني ومن
جميع الصحفيين الأحياء والأموات، فالخطأ اللغوي أمر عادي، والخطأ المهني طبيعي
جداً، والخطأ السياسي بسيطة، ولا يشكل ركام هذه الأخطاء بالنسبة له سوى كبوة، ولا
يفاجئك أحدهم حين يقول ضاحكاً: مشّيها أستاذ، نحن في ثورة.
نعم، نحن في ثورة، لكن وكما أسلفت فإن الثورة لا يمكنها
التأسيس على باطل لأن الباطل سيصبح قاعدة، ولن يكون التخلص منه سهلاً، ولنعد
بالذاكرة كثيراً إلى الوراء فغداة انقلاب البعث المشؤوم عام 1963 برز شويعر صغير
يدعى صابر فلحوط، ليصير فيما بعد صحفياً كبيراً، وقد كان فلحوط هذا واحداً من جيش
من الفاشلين وعديمي الموهبة الذين قام نظام البعث بتصنيعهم، وقد تولّى نظام الأسد
الأب رعايتهم، حتى صاروا أساتذة كباراً يلقون المحاضرات في فن العمل الصحفي، على
الرغم من أن واحدهم لا يستطيع كتابة مقالة واحدة دون أن يضرب عرض الحائط بجميع
القواعد الصحفية والمهنية، وقس على ذلك في الحقول جميعاً، فرئيس اتحاد الكتاب هو
كاتب فاشل، ونقيب الفنانين هو نصف فنان، ووو، ولكن لم يستطع أحد رفع صوته والقول
إن ما يحدث هو كارثة، لأنها إرادة البعث، تماماً كما هي إرادة الثورة التي حولت
ويا للأسف بعض الأميين إلى صحفيين، لا يجرؤ أحدنا على مناقشتهم، إذ قد يتحول الأمر
إلى خيانة لمبادئ الثورة، وكما يقول المثل الشامي اللطيف ساعتها سنقول جميعاً:
تيتي تيتي متل ما رحتي متل ما جيتي، إذ لن نستغرب أن يتولى نصف أمي إدارة إعلامية
في إحدى المدن أو المؤسسات، فقط لأنه كان يشرف على صفحة إحدى التنسيقيات، وعلينا
جميعاً أن ندفع ثمن تلك المشاركة، التي لم تكن مجانية بالمناسبة، لعل الكثيرين لا
يعلمون أن بعض التنسيقيات، وأقول بعضها، قد تولت مهمة التسويق لبعض الشخصيات أو
الكتائب مقابل مبالغ مادية، ودعم كبير، والأمر نفسه حدث مع بعض المواقع
الالكترونية، هذا ليس اتهاماً مجانياً، لكن روائح الفساد باتت تزكم الأنوف، والله
على ما أقول شهيد.
أعود لأصحابنا الناشطين الذين فرحوا بما وصلت إليه
أمورهم، وتحولوا بين ليلة وضحاها إلى محللين ومنظرين وأسطوات في كار الصحافة
المكتوبة والمرئية والمسموعة، ويضاف إليهم بعض الجهابذة الذين تحوّلوا إلى قياديين
في دنيا العمل الإعلامي، أحدهم كان أستاذاً للتربية الدينية في إحدى المدارس وقد
أنعم الله عليه فتولى إدارة وسيلة إعلامية وبدأ يصنف الإعلاميين على الشكل التالي:
هذا لا يفهم، وهذا مشكوك بأمره، وهذا ليس موهوباً، ويعتمد في تصنيفاته تلك على مدى
ولاء الإعلاميين له، وارتباطهم به وطاعتهم له، أحد الأطباء دارت به الدنيا وبات
مديراً في مؤسسة إعلامية كبيرة نوعاً ما، وقد وضع لنفسه بريستيجاً خاصاً يميزه عن سواه من القياديين الإعلاميين، فهو
أفهم من الجميع، وعبقري اللحظة، ومنقذ الإعلام من أوحال الجهال، على الرغم من أنه
لم يسمع بجريدة الحياة أبداً، ولم يسنح له جدول أعماله المزدحم فرصة قراءة مقال
واحد طيلة سنوات حياته، ولا أجافي الحقيقة إن قلت إن أمثال هؤلاء لا يقل خطرهم على
الثورة خصوصاً، وعلى سوريا عموماً عن خطر النظام نفسه، فهم يعيدون تصنيعه بطريقة
رخيصة وبدائية ومكشوفة للجميع.
هذه التفاصيل قد تزعج الكثيرين وقد يعدّها آخرون مبعثاً
للتشاؤم واليأس مما هو قادم، لكني أعتقد أن الكرة ما زالت في ملعب الثورة، وهذا
المخاض الطويل الذي نعيشه قد يعتبر معبراً للخلاص لا من نظام الديكتاتورية الأسدي
المتعفن فحسب، بل من أي نظام آخر يسعى للهيمنة، أياً يكن شكل الهيمنة، قد طال أمد
الثورة أكثر مما هو متوقع، هذا صحيح، لكنها أيضاً فرصة للغربلة التاريخية التي
ستخلص سوريا كلياً من أية رواسب سيئة، وأية شوائب قد تعيق هدم الأصنام، فاهدموا
الأصنام جميعاً، قبل أن تضطروا لعبادتها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث