الرئيسية / تحقيقات / مؤونة الشتاء تختفي من بيوت السوريين

مؤونة الشتاء تختفي من بيوت السوريين

نسرين أنابلي

ما إن يأتي فصل الصيف، فصل الحصاد وجني الثمار، فصل القطاف
وتنوّع الخضر، حتى تنكبّ ربات البيوت على العمل بكلّ دأب وهمّة لتأمين المؤونة
التي تعد، كـ
«القرش الأبيض لليوم الأسود»، فلا يأتي الشتاء إلا وتكون
أغلبية الأسر قد استكملت تحضير المؤونة التي تعدُّ من الأساسيات التي يحرصون على
تجهيزها. أما حالياً فقد أصبح موسم المؤونة هاجساً حقيقياً لكلّ مواطن من ذوي
الدخل المحدود، فمع ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية لليرة، بات المواطن
بين مطرقة الحاجة وسندان القدرة على تلبيتها، وتضاعفت قيمة المخصصات الغذائية
للأسر قرابة أربعة أضعاف عما كانت عليه في السابق.

لا يخفى على أحد أن بدء التحضير
لموسم المؤونة الذي يعدّ عرفاً، عكفت عليه معظم الأسر السورية، أصبح يستهلك الكثير
من الدخل، فكيف يستطيع من لم يذق فاكهة المواسم وخضرواتها بسبب ارتفاع أسعارها، أن
يخزنها ويموّنها بكميات كبيرة؟ وهنا نطرح تساؤلنا: هل حافظت الأسر على الكمية
نفسها التي كانت تشتريها في الأعوام السابقة؟

أيام المونة

لهذا الموسم
ميزة خاصة، ففيه النساء يتشاركن في أحاديثهن أثناء تناولهن قهوة الصباح، ويتبادلن
خبراتهن في صنع المؤونة والاستغناء عن المنتجات الجاهزة من السوق. يعرضن كيفية
تقديدها أو سلقها أو تجفيفها، فمنها ما يعرّض للشمس، ومنها ما يكدس، ومنها ما يحفظ
بعيداً عن الضوء. لكن الأوضاع المادية السيئة حرمت الكثير من ربات البيوت من
ممارسة هذه العادة الأصيلة في المجتمع السوري. هذا ماعبرت عنه (أم ناجي)، النازحة
من ريف دمشق، متمنية أن يكون العام القادم أفضل من الحالي، وأن يحمل لهم الخير
والبركة بعد طول معاناة وحرمان.

يشترون حاجتهم فقط

يرى باسل
(31سنة)، صاحب أحد محلات الخضار في حي الجابرية بحلب، أن موسم المؤونة بات شبه
معدوم، فقد وصل الزبون إلى مرحلة يشتري فيها عدداً من حبات الخيار مع القليل من
البندورة وبصلتين. ويضيف: “لم يعد يستطيع أحد اليوم يشتري كالسابق، أو “يموّن”
كما هي السنوات الماضية، حيث إذ كانت محلاتنا في مثل هذه الأيام لا نخلو من زحمة
الزبائن، أما اليوم فلا تبلغ نسبة الأشخاص الذين يشترون بهدف المؤونة 10% مما هو
معتاد”.

وهذا ما أكده
عبد الحميد، (
44 سنة) قائلاً: “أنا صاحب محل خضروات، ولا
أفكر بموضوع المؤونة لعائلتي لأن الأسعار أصبحت، في وقتنا الحالي، أمراً جنونياً،
أكبر من قدرة المواطن العادي”.

أما الحاج (أبو
أحمد)، بائع خضار في سوق السليمانية بحلب، فيرى أن غلاء المواد الغذائية من
خضراوات وفواكه وزيوت وغيرها، هو ما أثر في حركة البيع، مؤكداً أن الأسعار، لو
كانت أرخص، لكان البيع أفضل، كما هو الحال في السنوات الماضية، مشيراً إلى أن
القدرة الشرائية للمشترين ضعيفة جداً، وفق ما يراه، فالشخص الذي كان “يموِّن”
20 كيلو بازلاء أو ملوخية مثلاً، أصبح يكتفي بربع الكمية، وكذلك الأمر لبقية
السلع، أي إن المدخول الشهري للأسر تأثر، ولم يعد يوجد لديها هامش مادي تتصرف به
بحرية.

أنور (37 سنة)،
كان له رأي مغاير، إذ يجد أن الموسم هو كما المعتاد وأن الزبائن يُقبلون على
البضائع كما السابق، فالأسعار لم ترتفع كثيراً عن العام الفائت. ويضيف: “الجوز
البلدي يباع لدي بـ 3000 ليرة سورية، أما النوع الآخر فهو بـ 2500 ليرة، والبرغل
بسعر العام الماضي نفسه، ولم يزد شيئاً عما قبل، فالأسعار ما زالت معقولة بالنسبة
للكثيرين”.

أما محمد (27 سنة)،
فيرى أن زبائنه اقتصر “تموينهم” على عدس الشوربة والأرز وكل ما يمكن أن
يطعم عدداً كبيراً من أفراد الأسرة ولاسيما في هذه الظروف.

تراجع شراء المؤونة الجاهزة

اعتادت الأسر
على شراء أنواع مختلفة في المؤونة الجاهزة، كالمربيات، والمكدوس والزيتون
والفاصولياء وتخزينها في المنزل لفصل الشتاء، لكنها اكتفت هذا الموسم ببعض الأنواع،
كالمربيات ورب البندورة ودبس الرمّان بسبب موجة الغلاء التي دفعت إلى الاستغناء عن
سلع كانت في صدارة سلة المونة.
فارتفاع الأسعار الجنوني، وقلة توافر المعلبات
في السوق وعدم الاستقرار والظروف الأمنية والاقتصادية السيئة وأسباب أخرى، كانت
كفيلة بتراجع شراء المؤونة من المحلات التجارية.

أم أمجد، التي
اعتادت شراء المؤونة الجاهزة من السوق، اقتصرت هذا العام على بعض السلع، كالزيتون
والزيت، اللذين ترى أنهما ضروريان ولا يمكن الاستغناء عنهما، مبينة أن تقلص حجم مؤونتها
الاعتيادية يعود إلى الارتفاع الكاوي للأسعار.

بدورها، أم
أيمن، عمدت إلى شطب سلع كثيرة كانت تعدّها من الأساسيات التي تحرص على تموينها في
المنزل، كالبازلاء والفول خوفاً من تعرضها للتلف بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر لساعات
طويلة، مشيرة إلى أنها تقوم حالياً بشراء ما تحتاجه من منتجات من المحلات التجارية
عند الحاجة.

الكهرباء عدوة المؤونة

في ظل الأوضاع
الراهنة وما يعانيه قطاع الطاقة والكهرباء من مشكلات، زادت معاناة المواطن،
ولاسيما ربات البيوت، فلم تعد الرفاهية مقتصرة على إشعال جهاز التكييف بل لابد من
المحافظة على ساعات متواصلة تؤمن التبريد للمنتجات التي خزنتها الأسر في البرادات،
ما جعل معظم ربات البيوت تخسر مؤونتها وكثيرات منهن لم يتشجعن على عملها، هذا ما
قالته رويدة، (أم لأربعة أطفال) وتعتمد في إطعامهم على مأكولات المؤونة، كالمكدوس
والزيتون والمخللات والمعاقيد، بسبب غلاء المعيشة.

تأقلم وتكيّف مع الظروف

يقول صاحب متجر
لبيع المواد الغذائية بالجملة في حي الجميلية بحلب: “على العكس مما يعتقد
البعض، فإن الإقبال على شراء المنتجات الغذائية المعلبة والجاهزة قد ازداد في هذه
الظروف، والأسباب كثيرة ومتعددة أهمها غلاء المواد الخام التي خففت من الكميات
الكبيرة للمؤونة المنزلية التي اعتادت الأسر السورية على شرائها وتموينها. فربة
المنزل أصبحت تميل إلى شراء المادة جاهزة بكميات محدودة لتضمن وجودها لديها في حال
الضرورة، كالبازلاء والفول الأخضر والملوخية مثلاً، إضافة إلى الغلاء هناك موضوع
تغيير الإقامة الذي يُفرض في بعض الأحيان على بعض الأسر بسبب الأزمة التي نمر فيها،
وهو أمر يحسب له حساب من معظم الأسر التي بدأت تفضل شراء ما يلزمها من المكان الذي
تذهب إليه بكميات قليلة نظراً لعدم وجود القدرة على حفظ المواد بالشكل الصحيح.

وفي الحقيقة
فإن هذا النظام الشرائي، الآني أو اليومي أو الأسبوعي، زاد من الطلب على الصناعات
الغذائية الجاهزة”.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *