“صدى الشام” – خاص
مازالت
الحاجة أم صابر من قرية مورك بريف حماه الشمالي
تحتفظ بالقوالب الخشبية المخصصة لصناعة معمول العيد المحشو بالفستق الحلبي والذي
تشتهر قريتها بزراعته بكثرة. هذه القوالب هي واحدة من عدة أشياء بسيطة لها قيمة معنوية بالنسبة لأم صابر حملتها
معها عندما خرجت هي وعائلتها من القرية بعد الدمار الذي لحق ببيتهم جراء
قصف قوات النظام السوري.
معالم
الحياة الزراعية البسيطة في الريف،بقيت في ذاكرة أم صابر (58 سنة) والتي
تسكن اليوم في مخيم كيليس على الحدود السورية التركية، تستذكر أدق تفاصيل قريتها
وحقول الفستق الحلبي خاصة وموسم قطافه.
“صحيح أن الموطن الأصلي للفستق هو مدينة حلب، ولكن
قريتي كانت تشتهر بزراعته، وكان العيد بدون المعمول المحشو بفستق حقلنا الطازج لا
يعتبر عيداً. هذا ما قالته أم صابر وهي تستعيد يومياتها مع
أبنائها وجيرانها في موسم القطاف. وتحنُّ للجلوس تحت فيء شجرة فستق لترتاح من عناء
يوم حصاد طويل وشاق.
ومع
مرورأكثر من ثلاث سنوات على انطلاق الثورة ونزوحها من
قريتها، مازالت مشاهد الدمار والخراب حاضرة بقوة في ذاكرة أم صابر. وفي حديثها لـ
“صدى الشام” تقول:
“جرحنا جرحان نحن سكان مدينة حماه، فلم نكد ننسى
المجزرة التي ارتكبها القاتل الأب بمساعدة أخيه رفعت بحق المدينة في
ثمانينيات القرن الماضي حتى وقعنا ضحية إجرام ابنه الذي قضى على بيوتنا وحياتنا
وأحلامنا “. وتتابع أم صابر قائلة:
“كانت علاقاتنا ببعضنا في القرية قوية ومتماسكة حتى
مناسباتنا وأفراحنا كان لها طقوسها الخاصة، كنا أصحاب أرض وبيوت، والآن أصبحنا
مجرد لاجئين في بلد غريب لا نملك من الحياة الكريمة سوى سقف خيمة بائسة، والتحسُّر
على أبنائنا الذين فقدناهم وأقاربنا الذين أبعدهم شتات الهجرة والتشرد عنا، ولا نعرف
عن أمرهم شيئاً“.
تأتي الدموع في غير مكانها ربما، فالمرأة
الخمسينيةلم تستمر في السرد عن الأيام الجميلة وعن أيام الرخاء التي عاشتها في قريتها بعدما قاطعتها دموعها التي انهمرت من عينيها، وبدأت تتذكر لحظات الألم
والوجع عندما اقتيد ابنها الأوسط محمد من أمام البيت حين شنت قوات الأمن حملة
مداهمة واعتقالات طالت أغلب شباب القرية لمشاركتهم بالمظاهرات المنددة بسقوط
النظام. تضيف أم صابر والدموع في عينيها:
“لا أعرف عن ولدي شيئاً منذ أكثر من عامين، أشتاق لشم رائحته وضمه
لصدري، ورغم الأنباء التي تواترت عن احتمال موته في المعتقل، لكن مازال لدي أمل أن
يكون حياً وأن أراه قبل أن أغمض عيني، وأنتقل للحياة الأخرى “.
تروي
الحاجة أم صابر لحظات خروجها من قرية مورك في الثاني عشر من كانون الأول سنة 2011 بصحبة
ابنتيها وأحفادها متجهين إلى مدينة حلب التي كانت أهدأ نسبياً حينها، إذ مكثوا
قرابة نصف يوم وهم ينتقلون عبر طرق وعرة بين القرى تجنباً للسّفر على الطريق العام
المخصص للسفر خوفاً من حواجز النظام المنتشرة فيه والتي
من الممكن أن تعتقل زوج ابنتها فقط لأنه من مدينة حماه. وتتابع:
“وصلنا إلى مدينة حلب بعد طول عناء ومكثنا في غرفة ساعدنا
أهل الخير بالحصول عليها، وبقينا أشهراً نعيش على المعونات التي تقدّمها لنا إحدى
الجمعيات بالإضافة للخدمات التي يقدمها لنا الجيران الطيبون .واستمرت
الحال هكذا حتى دخل الجيش الحر مدينة حلب، واحتدمت المعارك
مع قوات الأسد، حينها اضطررنا وبسبب تردي الأوضاع المعيشية أن نهجر
سوريا بأسرها باتجاه تركيا حيث نعيش الآن في هذا المخيم “.
الحياة
الصعبة في المخيم هي آخر ما كانت تتخيله أم صابر، تختم وعلى وجهها ابتسامة “إن لم أعد إلى قريتي، حتماً سيعود إليها أبنائي وأحفادي، فهذه أرضنا، ولن
نتركها أبداً .”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث