الرئيسية / Uncategorized / عام على المجزرة..والذاكرة الحية

عام على المجزرة..والذاكرة الحية

ألكسندر أيوب

ما إن يغمض “ياسر” عينيه، حتى توقظه كوابيس ذلك
اليوم، يركض إلى زاوية الغرفة، يقرفص، يشخص بعينيه ويرتجف، إلى أن تلحق به زوجته
ومعها بعض الأدوية والمسكنات التي تمكن ياسر من النوم.

ياسر محمد، 30 عاماً، أحد المسعفين في ريف دمشق، والذين شهدوا
مجزرة الكيماوي، التي شنها النظام السوري على “الغوطة الشرقية”، بتاريخ
21-8-2013 ، والتي استهدفت مناطق جوبر، عين ترما، زملكا، عربين، وحزة، إضافة إلى
مناطق في “الغوطة الغربية” بنفس الوقت.

يتلعثم ياسر في الحديث وكأنه لا يعرف من أين يبدأ، تارة يطلب
إعادة السؤال، وتارة أخرى يصمت لفترات طويلة ثم يجيب، يعود بذاكرته إلى
البداية، فيتحدث لـ” العربي الجديد”، ” كنا في نقطة طبية بمشفى
“حمورية”، عبارة عن مشفى ميداني صغير، وصلت الأنباء عن القصف بالكيماوي
الساعة 2.30 ليلاً ،فتوجهنا مجموعة من المسعفين والناشطين إلى “عين
ترما” حيث كان القصف”.

يتابع ياسر،” عندما وصلنا “عين ترما”، كان
المنظر مرعباً، لا أستطيع أن أنسى مشهد الجثث متناثرة في كل مكان، داخل البيوت
وخارجها، منهم من حاول الخروج فسقط على باب داره، وآخرون في منتصف الطريق، كنا
نرتدي أقنعة بدائية من الفحم والقطن، ومع ذلك أصيب بعض المسعفين جراء استنشاقهم
الغاز”.

تنقل ياسر والفريق الإسعافي وبعض الناشطين، بين المنازل
بحثاً عن أحياء، ثم نزلوا إلى الأقبية التي لجأ إليها الناس، فكانت المصيبة أعظم،
إذ أن جميع من في ذلك القبو استشهدوا، حيث اعتقد أهالي “الغوطة”
بأنه قصف عادي، فنزلوا إلى الملاجئ، مما أدى لتعرضهم بشكل مباشر للغاز
السام، الثقيل، والذي من المفترض مواجهته بالصعود إلى الطوابق العليا.

يسترجع ياسر تلك اللحظات بصوت راجف، ” أصبحنا نبحث فقط عن
الأحياء بين الجثث لإسعافهم، وعلى باب أحد المنازل رأيت رجلاً في الخمسين من عمره
ملقى على الأرض، يخرج من فمه الزبد وقد جحظت عيناه، هرعت إليه وقد كان يلفظ أنفاسه
الأخيرة، فأشار بإصبعه إلى داخل المنزل، وكأنه يطلب إنقاذ عائلته، دخلنا البيت أنا
وناشطين، فكان الغاز السام أسرع منا، إذ وجدنا أربعة أطفال وأمهم قد استشهدوا،
وعند خروجنا كان قد استشهد الأب أيضاً”.

يصف ياسر اللحظات الأشد ألماً، ” توجهنا إلى قبو في
المنطقة، هناك كانت المجزرة الحقيقية، منذ نزولنا على الدرج انتشرت الجثث لبعض
الشبان ممن حاولوا الخروج، وفي الداخل رأينا عشرات العائلات، مجرد أجساد، كان
الغالبية العظمى من الأطفال، وقفنا للحظة عاجزين نرقب المشهد، بعض المسعفين
انهاروا، وبدأوا بالصراخ والبكاء، ثم أخذنا ندور بين الناس بسرعة نبحث عن أي ناجٍ،
لم يكن هناك أحد، إذ أن هذا القبو كان أقرب نقطة للمنطقة التي سقط فيها
الصاروخ”.

لا يستطيع ياسر أن يحبس دموعه، يسترسل بالحديث، وهو يبكي،
” في زاوية الملجأ كانت تستلقي على الأرض امرأة دون أن تتحرك، لاحظنا
انتفاخاً شديداً في بطنها، اقتربنا منها، وإذا بها تخبأ طفلها الرضيع داخل
فستانها، ظناً منها أنها ستحميه من الغاز، فكان أن استشهد الاثنين معاً، عندما
أخرجناه من ثوبها ورأيت وجهه الجميل أغمي علي، ولم أستيقظ إلا في النقطة الطبية في
“حمورية”، وقد أعطاني بعض الزملاء” الأتروبين” ظناً منهم أني
استنشقت الغاز، ولكني استنشقت رائحة ذاك الرضيع”.

عندما استعاد ياسر وعيه في النقطة الطبية، فتح عينيه على مئات
المصابين..، ” لم يهمس ببنت شفة، بدأ يتمشى بين المصابين ثم جلس على الأرض
وعيناه معلقتان بالسقف”، هذا ما قاله عمر زميل ياسر في النقطة الطبية، والذي
لا يزال يساعده في مراحل علاجه النفسي.

يضيف عمر لـ” العربي الجديد”، كنا نحتاج لأي مسعف،
إذ كانت المشفى بدائية وتفتقر للكوادر والأدوات، بدأت أناديه باسمه من مسافة بضعة
أمتار، ولكنه لا يجيب، اقتربنا منه نحدثه نصرخ بوجهه، لم يكن يتحرك، إلى أن وجهنا
خرطوم أحد صهاريج الماء، والتي استخدمناها في غسل المصابين بعد خلع ثيابهم،
فضربناه بالماء بقوة إلى أن استعاد تركيزه”.

يستعيد ياسر تفاصيل مشهد في اليوم التالي للمجزرة بهدوء، ويروي
بحذر وكأنه لا يريد أحداً أن يسمعه، “كل ما حدث لم يكن شيء أمام رؤية الناس
مرصوفين بالأكفان، ومتراصين يحملون أرقاماً إما على الكفن، أو على جبينهم، كان
المشهد أقرب للخيال مئات من الجثث، وعندما تنظر إليها تلاحظ أن أغلبها أكفان بحجم
صغير، كلها كانت لأطفال”.

“كانت
الصدمة قوية جداً عليه، فما زال إلى الآن وبعد عام كامل، يعاني من صور تتخايل
لذهنه من المجزرة، فيهرب فوراً إلى المساحة الآمنة بذاكرته، فأحياناً يتحدث عن
مواقف حصلت معه قبل الثورة، وتلك آلية دفاعية يلجأ إليها المريض للهرب من الواقع
بالعودة إلى الذكريات الآمنة في دماغه”.

هذا ما قاله مدين يوسف، الطبيب النفسي المشرف على علاج ياسر
لـ” العربي الجديد”،

في الوقت الذي تعرض فيه ياسر لصدمة نفسية مازال يعالج منها، لم
تتحرك شعرة لدى المجتمع الدولي، ومرت المجزرة دون حساب بحجم الجرم المرتكب، الذي
أودى بحياة 1400 شخص أغلبهم أطفال، ذاك التاريخ الذي يبقى معلقاً، حياً في ذاكرة
الشعب السوري.

 

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *