احمد العربي
تطل علينا الذكرى الأولى
للمجزرة الأفظع من حيث العدد، التي ارتكبها النظام بحق السوريين، منذ انطلاقة
ثورتهم. تلك المجزرة التي ذهب ضحيتها الآلاف من الأطفال والنساء، في مشهد انتقامي
قذر، يظهر مدى حقد هذا النظام على غوطة دمشق وكل المناطق الثائرة ضده.
لم تك تلك المجزرة سابقة في
تصرفات هذا النظام المجرم، الذي لم يألُ جهداً، ولم يترك وسيلة قتل، إلا واستخدمها
في محاولته لقمع الثورة. فالبراميل المتفجرة والذبح بالسكاكين والقصف بالمدفعية
واستخدام صواريخ السكود، ليست وسائل أرحم من السلاح الكيماوي للقتل. وإن كان
السلاح الكيماوي يحصد عشرات الأضعاف من الأرواح، عما تحصده تلك الأسلحة.
لكن مجازر النظام السوري
السابقة لم تصل إلى عتبة الألم التي يمكن أن تحرك الضمير العالمي اتجاهه. فلا جثث
الأطفال المحروقة والمقطعة في كرم الزيتون أثارت هذا الضمير، ولا فظاعة مشهد الجثث
المستخرجة من تحت الأنقاض في حلب، استطاعت تحريكه.
فكل وسائل القتل تلك كانت
ضمن الخطوط الخضراء لذاك الضمير المصلحي. أما استخدام السلاح الكيماوي فهو الخط
الأحمر الذي يمثل عتبة الألم التي تثير رد فعل العالم. فلطالما كان السلاح الكيماوي
هو كبش الفداء لجميع الأنظمة العربية، والذي تقدّمه قرباناً على مذبح الدول الكبرى،
كي تنجو بنفسها كلما استشعرت تغيُّراً في خطاب تلك الدول اتجاهها.
كان صدام حسين صاحب
الأسبقية في تسليم سلاحه الكيماوي، عله ينجو بنفسه وبنظامه. وليس هذا فقط فقد فتح
للمفتشين الدوليين حتى قصوره الرئاسية، وغرف نومه فيها، لكن هل كان ما قدمه كافياً
لحمايته؟ ثم تبعه على الخط نفسه، معمر القذافي، الذي استشعر ببصيرته النافذة خطر غزو العراق، وشراسة بوش الابن،
فسلم ما كان لديه من أسلحة طواعية لينال الرضا فهل ناله؟.
واليوم يسير (المقاوم الممانع) في طريق من سبقه
من الديكتاتوريات، معتقداً أن تسليمه سلاحه الكيماوي سينجيه من براثن الوحش
الأمريكي الذي طالما قض مضجعه ونغص عيشه، فهل هذا ممكن؟. طبعاً لا فتسليم السلاح
الكيماوي كما يثبت تاريخ الديكتاتوريات العربية، ليس إلا بداية النهاية. فصفقة
تسليم أي سلاح ردع من الأنظمة العربية، لا تعني للغرب بقيادة أمريكا تسوية نهائية
مرضية، لأنها تعلم أكثر من شعوب تلك الأنظمة المخدوعة، أن هذا النظام أو ذاك إنما
يعد تلك الأسلحة لردع شعبه ومعارضيه عن التفكير حتى في الثورة ضده. وهذا ما يثبته
استخدام صدام حسين لأسلحة ردعه فقط ضد الأكراد، وليس ضد التحالف الدولي في حرب
الخليج، واستخدام المقاوم والممانع بشار لها ضد أهالي الغوطة، وليس ضد إسرائيل،
التي أصبحت سوريا في عهده ميداناً لتدريب طياريها على الطيران والغارات الجوية،
كما أن والده لم يستخدمها أيضاً ضد إسرائيل، أو حتى تركيا حين اجتاحت قواتها
الأراضي السورية في التسعينيات. لا يمثل تسليم تلك الأسلحة للغرب سوى شيء واحد، هو
تخفيض فاتورة الإطاحة بهذا النظام أو ذاك. لتتحوّل أي دولة عربية تسلم سلاحها إلى
لقمة سائغة، ونزهة لجنودها على حد تعبير قادة الجيش الأمريكي قبل غزو العراق في
2003.
وكان لهم ما أرادوه، حيث
اختفى الجيش العراقي في الساعات الأولى للحرب، ودخلوا بغداد دون مقاومة تذكر.
وكذلك القذافي الذي كانت بضع ضربات جوية، وثوار بأسلحة خفيفة استطاعوا الإطاحة به.
وفي الحالة السورية سيتكرر
السيناريو ذاته، لكن بعد أن ينهي النظام ما في جعبته من مصالح، يمكن أن يقدمها
للغرب، فلا يزال يملك بعض الصواريخ البالستية التي قد تطال إسرائيل، وسيسلمها في
صفقة أخرى. ومسألة التنظيمات الجهادية وورقة الإرهاب التي يظن أنها ورقته الرابحة
والتي سلمها حالياً ببدء تعاونه مع أمريكا في توجيه ضربات جوية لتنظيم داعش في
سوريا بالتزامن مع الضربات الأمريكية في العراق. بذلك يكون قد أسقط ورقة التوت
الأخيرة، التي تستره أمام الغرب، ولم يبق له إلا أن ينتظر مصيره المحتوم .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث