الرئيسية / تحقيقات / سوريون هربوا من الموت في بلادهم ليتعثّروا بخطر الأمراض

سوريون هربوا من الموت في بلادهم ليتعثّروا بخطر الأمراض

نسرين أنابلي – غازي عنتاب
كثيرة هي رحلات عذاب السوريين، تبدأ من هجرة وطنهم وصولاً لرحلة البحث عن الصحة والعلاج داخل مخيّمات النزوح أو اللجوء.
في مخيّم كيليس على الحدود السورية – التركية يعيش اللاجئون السوريون رحلة انتظار يومية مجهولة الوقت من أجل لقاء طبيب. رحلة العذاب هذه تنطلق باكراً، إذ يتقاطر مرضى المخيم على المستوصف اليتيم الفقير من كل شيء، حيث لا يوجد سوى طبيب واحد وتجهيزات غير كافية لاستقبال مرضى المخيم. 
صف انتظار طويل تحت الشمس منذ الصباح الباكر إلى أن يحضر الطبيب في الساعة التاسعة والربع صباحاً، يبدأ المرضى في الزحف نحو صالة الكشف آملين في العلاج الفوري والراحة بعد الألم، إلا أن ذلك أمل بعيد.
بعد الكشف، يقوم الطبيب بإرسال بعض الحالات التي لا يتوافر علاجها في المستوصف إلى مستشفى المدينة الكبير الذي يتوافر فيه أطباء مختصون وتجهيزات مناسبة لكل حالة، وهنا تبدأ مرحلة أخرى من مراحل العلاج، حيث يتجمع المرضى في مجموعات في انتظار حضور المترجمين وسيارات النقل التي تأخذهم إلى المدينة.
مرض يزيد الانتظار من وطأته
تجلس خولة (35سنة) من ريف حماه، أمام “كرافانتها” برفقة ابنتها التي تعاني من نقص في هرمون النمو، تقول خولة: “منذ قدومي إلى المخيم لم تحصل ابنتي على الدواء اللازم، وهذا يعني أن ابنتي لم تنمُ بالشكل الصحيح خلال الشهور الماضية”.
خولة تقوم بمراجعة مستوصف المخيم بشكل يومي على أمل أن يتم تحويل ابنتها إلى مشفى المدينة المركزي لتتلقى العلاج المناسب، ولكن الطبيب المقيم في المستوصف أخبرها بأن هناك حالات مستعجلة أكثر من حالة ابنتها. تضيف خولة بحدة وقهر: “أخبرني الطبيب أن دماغ ابنتي لن يتأثر، لكن جسدها سيبقى صغيراً كلما تقدم بها العمر، وكأن عدم نمو ابنتي بشكل صحيح ليس مشكلة خطيرة تستدعي العلاج السريع”!
كثر هم من ينتظرون دورهم في الطابور أمام المستوصف، ولكن ليس بالضرورة أن يثمر هذا الانتظار. الحاج أبو مالك (66 سنة) من ريف حلب، يعاني من مرض السكر والتهاب المفاصل. يحدثنا عن ساعات الانتظار التي يقضيها في كل مرة يذهب لرؤية الطبيب. يقول أبو مالك: “تمتد فترة الوقوف في بهو المستوصف غالباً من العاشرة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، وإذا استطعت رؤية الطبيب بعد فترة الغداء أكون من المحظوظين، وفي الغالب أعود خائباً، إما لانشغال الطبيب أو لعدم قدرتي على تحمل الوقوف طويلاً وأنا بهذا العمر، فأعود إلى “كرفانتي” آملاً بأن رحلتي القادمة للمستوصف ستكون أوفر حظاً”.
يقول عبدالله من ريف إدلب (24سنة)، أنه كثيراً ما يقضي ساعات بانتظار رؤية الطبيب، ولكنه يفاجأ في النهاية بعدم وجود طبيب يختص بحالته. يوضح عبدالله، “أعاني من سوء امتصاص في الأمعاء، الأمر الذي يمنعني من تناول أغلب الأطعمة، وغالباً عندما أذهب للمستوصف لمتابعة وضعي الصحي لا أجد طبيباً مختصاً، فغالبيتهم أطباء أطفال رضّع أو نساء”.
تواجه اللاجئين السوريين هنا مشكلةٌ من نوع آخر تتمثل من سوء الترجمة من المترجمين المتواجدين لمساعدة الطبيب التركي على التواصل مع المرضى. تقول سميرة، وهي من مدينة الباب بريف حلب: “غالباً ما تكون الترجمة سيئة وبالتالي لا يعرف الطبيب ما نشتكي منه بالضبط، وهذا ما يزيد الأمور صعوبة وتعقيداً”.
الأمراض متفشية والرعاية الطبية غير كافية:
 تحوّلت الأمراض التنفسية المنتشرة بين السوريين إلى أمراضٍ (روتينية)، وباتت الأمراض الجلدية، كالحساسية والطفح الجلدي أمراضاً طبيعية حديثها يُتداوَل يوميّاً، وتخفيفاً من وطأة الاسم المرعب، أطلق سكان المخيم على مرض الربو تسمية (زكام) قياساً لمدى انتشاره في المخيم. وهكذا بات يُنظَر للعديد من الأمراض الخطيرة، والتي تستدعي معالجة طبية سريعة ومتواصلة، على أنها أمراض يومية، يكتفي سكان المخيم بعبارة؛ “شو طالع بالإيد”؟! كتعليق عليها.
أما الأطفال فهم الخاسر الأكبر في هذه الظروف. فبحسب تقرير منظمة اليونيسيف للطفولة التابعة للأمم المتحدة، يمثل الأطفال 50% من مجمل أعداد اللاجئين في تركيا، ورغم الجهود المبذولة لحماية هؤلاء الأطفال من الأوبئة الخطيرة، كشلل الأطفال والسل وغيرهما، إلا أن الأعداد تفوق الإمكانيات المتوافرة. يقول الطبيب بشر دويدري، أحمد المتطوعين في الوحدات الصحية التي أقامها الصليب الأحمر على الحدود بالقرب من المخيمات: إن “أغلب الحالات الحرجة التي ترد إلى نقطة العلاج معظمها من الأطفال، نظراً لعدم تحمُّلهم الظروف القاسية من شدة حرارة الصيف ونقص الغذاء، بالإضافة إلى عدم توافر كل الأدوية المطلوبة، وعدم كفاية مرافق الاستحمام والاكتظاظ فيها، وكل ذلك له تأثير كبير على صحة الأطفال وانتشار العدوى بينهم بأي مرض بشكل سريع. 
صحيح أن اليونيسف تقوم وشركاؤها بتقديم المساعدات الإنسانية، لكن هناك حاجة إلى وصول أكبر  إلى جميع المحتاجين”.
تستمر فصول معاناة السوريين داخل المخيمات التركية، كما في بقية المخيمات في بلدان اللجوء الأخرى، وهم لم يختاروا هذا المصير، لكنه كان خياراً من ضمن الخيارات المرّة التي أجبروا عليها، أملاً بالحصول على الأمان المفقود إلى أجل غير معلوم.
 

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *