هيثم السرياني
انتهت المعارك بين جيش الإسلام وداعش في الغوطة الشرقية، باندحار داعش وتفككها وانتصار جيش الإسلام ، الذي زاد خيلاؤه -على حد تعبير البعض- بعد هذا النصر.
فإن نظرنا للأمر من وجهة نظر سياسية وعسكرية تكون النتيجة مرضيةً جداً، ولكن ماذا عن ردود أفعال الأهالي؟، وهل ما حدث مرضٍ لهم، بمعنى آخر: هل كان هذا النصر عسكرياً وفكرياً؟ علماً أن الغالبية من الأهالي يعتبرون جيش الإسلام من حيث العقيدة أكثر صواباً من داعش.
خلفت هذه المعارك عند الأهالي ردود أفعال مختلفة، فإذا استثنينا الميول الناتجة عن انتماء أحد أفراد الأسرة لأي من الجهتين، نبقى أمام نسبة لا يمكن إهمالها متعاطفة مع داعش.
لم تأت هذه الميول من الاتفاق بالعقيدة أو الارتباطات الاجتماعية إنما لأسباب أخرى كالسمعة السيئة لجيش الإسلام في الغوطة، والناتجة عن انسحاباته المتكررة من جبهات القتال والتي كانت في كل مرة تغيّر نتيجة المعركة في اللحظات الأخيرة لصالح النظام،(كانسحابه من جبهة العتيبة بعد تحريرها بداية العام الجاري) وهذا ما يعتبره الأهالي من أسباب استمرار الحصار والجوع عليهم وكما يعبّر البعض عن ذلك بالقول:( لو أن النظام شعر بحرج في موقفه العسكري وتعرض لضغط عسكري حقيقي لكان سعى للتفاوض وفك الحصار).
أيضاً من هذه الأسباب استخدام جيش الإسلام لأسلحته الثقيلة في معاركه ضد داعش وبأعداد كبيرة، حيث نشر في الشوارع عدداً من الدبابات وعربات الـ (ب م ب) وعربات الشيلكا، في حين لم يستخدم سوى ربعها فقط في معارك المليحة الأخيرة أو في أي معارك سابقة، وهذا قطع الشك باليقين عند الكثيرين وبيّن لهم أن هذه الأسلحة إنما هي لبسط النفوذ والسلطة لا لقتال النظام وإسقاطه.
إضافة إلى أن داعش – بحكم نفوذها الضعيف نسبياً بالغوطة – لم تمارس بحق الأهالي ما مارسته في الشمال السوري، ولم تقدم نفسها في البداية على أنها كيان سياسي عسكري بل مجموعة جهادية فقط، مستغلة طيبة الناس لتصديق ادّعاءاتها، في حين أن جيش الإسلام على العكس تماماً قدّم نفسه ككيان عسكري سياسي يحاول التحكُّم بكل جوانب الحياة فأنشأ لهذا الغرض عدة مؤسسات (مثل مؤسسة اقرأ للتعليم الشرعي ومؤسسة نقل عام بين المدن والبلدات …) وبالتالي يكون قد وضع نفسه ومنذ البداية في مواجهة حالة تقييم لأدائه من قبل الأهالي، الذي لم يكن مرضياً مقارنةً بحجم الترويج الإعلامي لهذه المؤسسات داخل الغوطة، إضافة لممارسات سلطوية عديدة بحق الأهالي، وسجن التوبة مثال على ذلك ففي هذا السجن ارتكبت عدة انتهاكات لحقوق الإنسان منها التعذيب الجائر أثناء التحقيق الذي أودى بحياة أحد الأشخاص مرة، وتسبب بإصابات خطيرة للبعض الآخر.
مع الأخذ بالاعتبار حالة التجهيل التي عملت بعض الفصائل المسلحة والهيئات الشرعية على ترسيخها عند الناس عن طريق محاربتها للعمل المدني وقمعها لأية نشاطات فكرية قد تساهم في تطوير الحالة الثقافية والفكرية لدى الناس بوجه عام. هذا يدل بالطبع على حجم تقصير تيارات المعارضة السياسية منها والفكرية وتركها الحبل على الغارب لتلك الفصائل والهيئات لفعل ما تريد في الوقت الذي كان يمكن لها أن تضع حداً لهذا السلوك في بدايته .
بالنتيجة لم يهلل شعبياً لاندحار داعش ذات القادة غير السوريين، وانتصار جيش الاسلام بقيادة الشيخ زهران ابن مدينة دوما رغم اتصاف شعب الغوطة بعمق انتمائه الذي يصل حد التعصب أحياناً.
تضعنا هذه النتيجة أمام تساؤلات هامة:
هل ينحصر خطر داعش بامتدادها العسكري المتزايد وتجنيدها السياسي لمصلحة مخططات تقسيمية مرسومة للمنطقة؟ أم يتعدى ذلك كونها خطراً على الصعيد الاجتماعي؟ خاصة في ظل التخلف المسيطر على الواقع الاجتماعي العربي.
وهل يمكن أن يصبح البغدادي خليفة للمسلمين حقاً في ضمير الناس؟ في ظل هذا الاحتقان الطائفي الذي تعيشه المنطقة، وتعدد الولاءات السياسية لرجال الدين الأمر الذي أدى لعدم وجود كتلة حقيقية من رجال الدين أصحاب التأثير، قادرة على قراءة الواقع السياسي بشكل دقيق والتعامل معه من منظور وطني وديني صحيح.
وأخيراً: إذا كان هذا الواقع هو حصاد ما زرعته الأنظمة الاستبدادية الحاكمة خلال العقود الماضية، وهو واقع مرضٍ جداً لها، فإن المعارضة بكل هياكلها السياسية الرنانة وتياراتها الفكرية الكثيرة تتحمل مسؤولية ظهور الجهادية ومنها داعش بالتحديد بسبب رداءة سياساتها. فهي هياكل سياسية محكومة بالتّبعيات المختلفة تحاكي النظام بأسلوب عملها – بحكم عشرتها الطويلة له وتطبعها بطباعه – إذ أنها تسعى للسلطة لتحكم الناس حسب ما تراه صحيحاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث