سالم عدلي المحمود
يقلقني استمرار هذه الحرب المجنونة، كما يقلق السوريين كافة اشتداد لهيبها. فها هي ذي نيرانها قد أتت على الوطن بكل مقوماته وروافع نموه ونهضته، وقد زهقت عجلاتها أروح مئات الألوف من أبناء الشعب السوري، وعطلت أضعاف ذلك العدد مرات ومرات، وشردت الملايين. وهي بشموليتها هذه، لم تستثن أحداً من مكونات الشعب السوري، لا القومية ولا الدينية ولا المذهبية أو الطائفية. ولم تستبعد، كذلك، أحداً من شرائحه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد نالت من الأطفال والصغار والشباب أكثر مما نالت من الكبار الأمر الذي جعل المجتمع يدخل في أمد طويل من الشيخوخة والعجز، ناهيكم بالشروخ النفسية والاجتماعية التي ألحقتها بالجميع.. وربما نالت من النساء والرجال على حد سواء.. لكنها حصدت من المدنيين أكثر مما قتلت من العسكريين المدججين بالسلاح.. ولم يبق أحد من مكونات الشعب السوري لم يكتو بلظى نارها، أو لم ينله شيء من جنونها، أو لم تلوثه قذارتها، وترى الكل يسأل اليوم:
متى تنطفئ شعلتها؟! وقد يعيده السؤال إلى نقطة البداية، فيسأل ثانية:
من تراه أوقد شرارتها الأولى؟! ولماذا؟! وما هي الأسباب البعيدة المخفية؟!
يأتيك الجواب من أسياد النظام وأذنابه على السواء: إنها المؤامرة الكونية علينا.. الله أكبر..! مؤامرة! وكونية أيضاً؟! وعليكم أنتم بالذات؟! طيب لماذا؟! ومن تقصدون بأنتم؟! أتعنون الشعب السوري؟! إذاً هاتوا برهانكم.. فهِّمونا؟! ربما كانت عقولنا صغيرة إلى الحد الذي ما عادت تحتمل رؤياكم الواسعة الشاملة! وتصوراتكم المذهلة. أما الشعب السوري فدعوه جانباً، فهو، وفي ظل نظامكم العقيم، لم يكن له أي شأن أبداً، إذ استطاع جهاز أمنكم أن يحيِّده تماماً، فليس له في العير أمر، ولا في النفير! أما إذا كان العالم يعنيكم أنتم أرباب النظام الذين يقبعون في سدة الحكم منذ خمسين سنة ونيف. فقولوا لنا، بربكم:
لِمَ يتآمر عليكم العالم؟ ومن أجل أي شيء يتوجس منكم خيفة أو هلعاً؟! أمن اقتصادكم النامي المنافس غيره في الأسواق الدولية؟ أمن توسع شركاتكم الاستثمارية والتجارية العابرة للقارات؟ أم من أساطيلكم الحربية التي تجوب أنحاء البحار والمحيطات؟! أمن أقماركم الصناعية التجسسية أم من سفنكم الفضائية التي تكتشف عوالم جديدة في الفضاء الخارجي؟! ثم بماذا تزعجون العالم أيها النظام الفاشل بكل المقاييس والمعايير؟! ألم تصبح البلد في ظلال نظامكم من أشد البلدان تخلفاً على الأصعدة كافة.. ألم يعشش الفساد في كل ربوع دياركم.. دوائر إداراتكم.. مكاتب مؤسساتكم الإنتاجية منها والخدمية، ذلك إذا جاز لنا أن نطلق على ما هو موجود عندكم مؤسسات..
تقولون إن:
البلاد العربية تتآمر عليكم، لن نناقش هذه المسألة، ولكننا نسأل إن كان ثمة غيرة عربية منكم؟! إذاً هاتوا مثالاً واحداً على دولة عربية واحدة تقف خلفكم في سلم التخلف والتقهقر.. حتماً لا يوجد، وإن وجد فهي ممن يساندكم ويشد أزركم..! لكنكم في هذا المجال العربي، والشهادة لله والتاريخ، الوحيدون الذين يدعون لوحدة أمة العرب ولاستعادة أمجادها السالفة، أليس كذلك أم إنني غلطان؟! إذاً فالأجدر بكم أن تجدوا الكوى الضيقة للدخول منها لتحقيق ذلك الهدف النبيل الذي تدعون إليه آناء الليل وأطراف النهار، وأن تكون لديكم الحمية للدفاع عن أمن تلك البلدان وسلامتها، لا أن تشرعوا نوافذ الخلافات ومصاريع أبوابها على الآخر، وتتخذوا من خصومها وممن يحتلون أجزاء من أراضيها، ويهدد أمنها، وسلامها الاجتماعي، أصدقاء مخلصين، بل عبيداً مطيعين، تنامون على حد سكِّينه الرهيف. بالطبع أقصد إيران الخصم اللدود اليوم للبلدان العربية كافة.. إيران التي أفسحتم لها في المجال لتبني أمجادها وتحل مشاكلها الدولية العالقة، لا على حساب العرب فحسب، بل حساب الدم السوري الذي لم تشبع منه بعد..!
وقد تقولون إنني كمن يغني في الطاحون، وإنني غير مستوعب لما يجري بالمطلق، وإن المشكلة أبعد من ذلك وأعمق.. إنها إسرائيل التي ما تزال تحتل أراضينا، منذ سبع وأربعين سنة، ونحن، كما يعلم القاصي والداني، لا نزال نتوعدها بما لم تره في تاريخها، هي وأمريكا عدونا التاريخي التي تقف خلفها وتشد أزرها.. وستضيفون: إنكم والحزب الإيراني الوحيدان المخصوصان بالمؤامرة الخبيثة الكبرى، فأنتما الوكيلان الحصريان للمقاومة والممانعة في منطقة الشرق الأوسط..
في هذا، أيها النظام المقاوم والممانع، معك كل الحق، فيما تعلنه، دون توفير شروطه ومقوماته. أفلا ترى أيها الممانع العجيب أنك في حربك المجنونة هذه قد أهدرت كل أبجديات الممانعة وأولها: تدمير جيشك، وتشتيت قواه، وقتل خيرة ضباطه وجنوده، وتطفيش من كان يصدقك منه، منتظراً منك الإعلان عن المعركة الفاصلة مع العدو لتحرير الأرض واستعادة الكرامة الوطنية، لكنك بدل أن تفعل ذلك قمت بما لم يكن يحلم به العدو ولا يمكن أن يخطر على بال، فالعدو الصهيوني لم يكن ليتصوّر أنك ستقدم له كل هذه الهدايا الجمة دفعة واحدة.. وأنا لا أتحدث هنا عن تسليمك الكيماوي، ولا عن تخريب مراكز الأبحاث التي غدت يباباً، بل عن تلك الأبجديات التي ذكرت، وعن الإجهاز على تدمير أركان دولة اسمها سورية، أظنه، أي العدو الإسرائيلي، كان يحسب لها حساباً إذا ما رحلت في يوم ما واستلم الشعب زمام أمره.
ولأخذ العلم فقط، إن ما فعلته لم يكن إلا نتيجة طبيعية لحجم الفساد العام الذي كان قائماً، وفي الجيش أكثر من غيره، بدءاً من تركيبته وانتهاء بانشغال ضباطه بشؤونهم الخاصة: قصورهم، رشاهم، وساطاتهم، تفييشهم لجنودهم. هذه الظاهرة التي ما عرفها جيش في العالم من قبل، ولن أتحدث عن أمر المجتمع والدولة فقد سبق ذكرهما.
نعم أيها النظام العتيد، هي مؤامرة كونية، ولكنك أداة التنفيذ بكل اقتدار.. أما لماذا جرى ما جرى على هذا النحو من القسوة والمرارة؟ وما سرُّه البعيد؟ ومن الذي يقبع خلفه؟ فعند دهاقنة السياسة، لدى كل من روسيا وإيران الخبر اليقين، فهؤلاء قد فهموا طبيعة المستبد، واستغلوها، بدناءة، لمصالحهم البشعة..!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث