الرئيسية / Uncategorized / عن الذكريات والغربة

عن الذكريات والغربة

سما الرحبي
قطعتان من السكر تكفي لكوب الشاي خاصتي، في صباحي البارد، تنحل حبيبات المكعب الصغير بالماء الساخن لتختفي، أمي بقربي تحدث الأقارب عبر الهاتف متمنية لهم عيداً سعيداً، عبارات مثل “كل سنة وأنت سالمة، الدنيا عيد، الخ.. ” تضحكني، أما زالت تلك الجمل ملائمة لمثل هذه الأيام؟
 
تبدأ بالاطمئنان عليهم من القذائف الآتية من كل حدب وصوب، تلاشت رائحة المعمول التي كانت تملئ  الشوارع ومداخل البيوت في مثل هذه الأيام، لا ثياب جديدة، ولا حقائب أطفال مضحكة ملونة، لا شيء إلا حالة رمادية تكسو الشوارع، حيث تزامن “العيد” مع أيام عطل ترامت وراء بعضها “صدفة”، ما يزيد الوضع سوءاً.
أرشف ما تبقى من فنجاني، وأعود لسريري الدافئ، لأتكور فيه مع نفسي، آلام المعدة أبت أن تتركني وحيدة، فتحت عيني بعد محاولات عدة للسيطرة على موطن وجعي، وإرغامه على المغادرة، هذه المرة لم أستطع التركيز وكتم الآلام من مصدرها.
 صوت مروحة الحاسب المعطلة، وضربات الهواء الجاف على زجاج النافذة، شوشت تركيزي، آلم في ضرس العقل زاد الوضع اضطراباً، أطير فوق غيمة خيالي لأغير كل ما حولي، أعود طفلة في الخامسة تحلم بيوم العيد مع ضوضاء وهمسات غير واضحة خلف المشهد، تأتي على شكل ضحكات أطفال، وأزيز مراجيح. 
أنا طفلة في الخامسة، كم سرحت بهذه الفكرة و راودتني قصصي الصغيرة حينها، في ذاكرتي باب مهترئ، مصبوغ باللون الوردي الباهت، يقع ضمن حارة طويلة لا أذكر منها إلا أكوام التراب المترامية على أطرافها كجبال صغيرة، أحببت دوماً  أن أتسلقها وبيدي عصا أطول مني، لتنتهي المغامرة بغبار يملأ فمي أحببت طعمه دوماً، مع بقع على ثيابي لا تتركها بسهولة، وجروح خشنة تعلق على ركبتي كلما بدأت تلتئم خلاياها، صانعة كتلة بنية صغيرة، سارعت لمتعة قلعها، فينزف الدم من جديد.
 في إحدى المرات رأيت امرأة أقدر الآن أنها أربعينية، تهم بالخروج من ذاك الباب، كانت تغلف نفسها من الرأس حتى أخمص القدمين بقماشة حمراء منقطة بالأبيض، زي تقليدي في الأرياف، وتلتقط ما تبقى من قماش حول وجنتيها بفمها، فلا يظهر من جسدها كاملاً إلا بؤبؤ عينيها العسليتين،.عرفت لاحقاً أنها خياطة نسائية، فطلبت من أمي تفصيل فستان العيد عندها، في محاولة اكتشاف ما يختبئ خلف ذاك الباب الوردي عند دخولك إلى عمقه، تمر بحديقة مليئة بأواني الزهر، على أرضها سلاحف متنوعة الأحجام، يقطع الحديقة طريق مبلط ضيق، ثم تصل الغرفة الداخلية، لها رائحة عتيقة مملة كرائحة رفوف المؤسسة الاستهلاكية، مليئة بالتحف الفقيرة الغير متناسقة، والورود الاصطناعية. رأيت تلك السيدة أخيراً دون غطائها المنقط، سمينة قصيرة، مكورة، أنا أطول منها، أنا ابنه ال 5 سنوات، حسناً كنت طويلة حينها،  تجلس وأمامها ماكينة الخياطة بصوتها الدرامي. هناك في الغرفة السحرية كل شيء يدعوك للعب، أشياء تغريك للعبث بها، أكوام من القماش الملون، وقصاصات “الدانتيل”، خرز مبعثر، أطواق لولية، أزرار بمختلف الأشكال، خيطان ملونة، مقص كبير، وابنه الصغير، كشتبان… علب خشبية تنفر منها لآلئ وحبيبات خرز كريستالية بألوان الحياة وأكثر ..، اخترت القماش أنا، أردته وردياً، وشيفون كما الكبار، أريده كالفستان الذي حمله العصفوران لسندريلا، كثوب “الباربي”، الذي أهدتني إياه صديقتي قبل أن أمزقه وأغيظها بذلك عندما تخاصمنا. أريده منفوخاً عبيّا، يتطاير من حولي كفراشة ربيعية عندما أدور، وأن تصنع لي من ذات قماشه شريطة لأربط شعري الكاريه القصير بها، موديل “النافورة”. عشقته، كان فستان أحلامي، من شدة توجسي به، حلمت مرة أن الساحرة في المنام سرقته مني وطارت على مكنستها الهوائية، حتى استطع اللحاق بها. 
أنبش صندوق ذكرياتي بحثاً عن الفستان، أو صورة عنه وأنا طفلة، لا شيء .. فالذكريات تدمر أيضاً في سوريا، ما خلف الباب هدم، المرأة الأربعينية البسيطة وعائلتها ومدينتها الثائرة بلعها الفيضان. أعود لليوم .. أسرح خارج حدود النافذة، أرى نساء ضخمة الأبدان تنظف المنازل، ترش الماء على الممرات، تفرك وتدعك بكل قوتها لتجعل الجدران كالمرايا، تنظف الزرع المنتشر على الشرفات.. مع كل رشة ماء، ينتعش قلبي مجددا لخلق ذكريات أجمل.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *