دمشق – ريان محمد
يستقبل السوريون عيد الفطر السعيد، وهم يعيشون مأساة، قيل، إن العالم لم يشهد لها مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي. فنصف السوريين اليوم مشرد بين لاجئ ونازح، و75% منهم يشكو الفقر المدقع، والمأساة حلت بكل بيت سوري.
“لم ينته صيامنا منذ أكثر من عامين، فعيدنا لم يحن أوانه بعد”. هذا ما قاله المنسق العام لـ”التجمع الوطني لقوى الثورة في، ورئيس إدارة المجالس المحلية في الغوطة الشرقية” فيها نزار صمادي، مضيفا لـ “العربي الجديد”. ويضيف، “كثيرون لا يعلمون شيئا عن صعوبة الحياة في الغوطة الشرقية، وهي الممتدة على مساحة جغرافية واسعة، وما فيها من مقومات الحياة يكاد لا يذكر.. لا يعلمون أن هناك من يصوم يومين أوثلاثة أيام لكي يؤمن وجبة غير مشبعة، فالجوع في الغوطة لا يعرف كبيرا أو صغير، لكن الحمد لله لم يمت عندنا أحد من الجوع”.
وعن استعداد الأهالي لعيد الفطر، وما إذا كان هناك أصلا من يستعد للعيد، أوضح صمادي، أن “لا مظاهر للعيد في الغوطة، فالناس معدومة والأسعار مرتفعة جدا، إن كان بالنسبة للطحين أو السكر، وهما المادتان الرئيسيتان لصنع كعك العيد، أوغيرها من المواد، فالناس ليس باستطاعتها أن تشتري تلك المواد مقابل توفيرها للطعام والشراب”. وأضاف، أن “معظم الناس صنعت بعض المربيات من خيرات الغوطة، بعد أن سمح النظام بإدخال محلول السكر والقطّر، قبل عدة أسابيع، حيث بيع حينها الكيلوغرام الواحد بـ500 ليرة”، مضيفا أن “النظام سمح مؤخرا بدخول كميات محدودة من المواد الخاصة بصناعة الحلويات”.
وقال: “طبعا النظام لا يدخل هذه المواد من قبيل كرم أخلاقه، أو خوفا على حياة المواطنين، بل لأن أفرعه الأمنية وقواته التي تحاصر الغوطة، تتاجر بهذه المواد، إذ تشتري الكيلو غرام الواحد من محلول السكر والقطّر، بـ 250 ليرة، لتبيعه للمواطنين هناك بـ 500 ليرة”!
كذلك رأى الناشط عمر الشامي من الغوطة، أن “لا مظاهر للعيد في الغوطة فالحياة تستمر في بؤسها، ولكن هناك مؤسسات وناشطين يحاولون رسم البسمة على وجوه الأطفال، عبر تجهيز عدة أقبية بألعاب العيد، وإجراء بعض العروض المسرحية وعروض الفيديو، إضافة إلى النشاطات الجماعية والمسابقات.. ولعل اختيار الأقبية، هو من قبيل حماية الأطفال من القصف الجوي والصاروخي الي لا يهدأ على الغوطة”، التي بدأت تشهدا قصفا ليليا مكثفا، وهو ما يتسبب في سقوط قتلى وجرحى”.
ورغم الإمكانات الضعيفة في الغوطة- يضيف الناشط الشامي- “هناك منظمات مدنية وناشطون، يعملون على تفعيل الحياة وتثبيت النشاط المدني، ودعم الأطفال والنساء نفسيا، في ظل ما يتعرضون له من عنف وإرهاب”.
أهالي دمشق عيدهم مناسبة لرفع الأسعار…وتذكر القتلى والمعتقلين
وفي العاصمة دمشق، رصدت “صدى الشام” أجواء الأيام الأخيرة من شهر رمضان، حيث لوحظ تحسن في حركة الناس في الأسواق قبل العيد. ويقول (أبو جابر)، مالك محل للألبسة الجاهزة: إن “كل هذه الحركة هي فقط للفرجة. نعم لقد تحسنت حركة البيع قليلا مقارنة مع الأشهر الماضية، لكنها لا تقارن بما قبل عام 2011”.
وعن سبب هذا التراجع الكبير في حركة التسوق والشراء، يوضح هذا التاجر أن “المشكلة هي أن البضائع قليلة وأسعارها مرتفعة، والناس وضعها المادي منهك، ولذلك فإن معظم الناس تحاول أن تشتري ثيابا لأطفالها فقط، ومع ذلك فأغلب تلك الثياب هي من سوق الألبسة المستعملة”.
ويتراوح وسطي أسعار ملابس الأطفال دون الخمس سنوات بين 3 إلى 5 آلاف ليرة سورية، في حين زادت الأسعار نحو 400% عما كانت عليه قبل عام 2011.
وبيرر بعض التجار، لـ”صدى الشام”، هذا الارتفاع بـ “قلة العرض وإغلاق الكثير من ورش ومعامل الخيوط والأقمشة والألبسة الجاهزة، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل بشكل كبير، وهذه التكلفة تحمّل في النهاية للزبون عبر رفع سعر القطعة”.
(أبو حسين)، موظف في دمشق، يقول: “أي عيد هذا؟! نحن ألغينا العيد بكل مظاهره منذ سنتين.. هناك آلاف الشهداء والمعتقلون. ثم حتى لو أردنا أن تحتفل بالعيد وطقوسه فصناعة حلويات العيد مرتفعة جدا، إذ أن سعر الكيلو غرام الواحد من أي نوع كان، يكلف بين نحو ثلث راتب الموظف”. ويضيف أبو حسين، لقد “ارتفعت أسعار الملابس والحلويات خلال الأيام الماضية بشكل كبير، فمثلا سعر كيلوغرام واحد من حلويات “المبرومة” يتجاوز خمسة آلاف ليرة سورية، أما “الغريّبة” فبحدود ألفي ليرة، وعلى ذلك قس”!
وفي سوق الميدان المعروف في دمشق بكثرة محال الحلويات فيه، التقت “صدى الشام” بعض التجار والمواطنين هناك. وقال (أبو أحمد)، أحد المتسوقين: “اشتريت بعض الحلويات للعيد، وقد لمست الفرق بين الأسعار الحالية وبين أسعار السنوات الماضية، لقد كلفني ما اشتريته الآن، على قلته، 17 ألف ليرة”!!
من جانبه، أعاد (أبو عادل)، بائع حلويات، ارتفاع أسعار، إلى غلاء أسعار المواد الأولية، وخاصة السكر والسمن وغيرها من المكونات، مبينا أن “حركة البيع منخفضة جدا مقارنة بالسنوات السابقة”.
وكانت تقارير اقتصادية بيّنت أن أسعار الحلويات ارتفعت نحو 60%، بمناسبة عيد الفطر، في حين أصدرت “مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك” التابعة للنظام، نشرة للأسعار المعتمدة في دمشق، حددت بموجبها أسعار الحلويات.
وتصدرت النشرة، التي ضمت نحو 16 نوعا، “المبرومة” بالسمن الحيواني، بسعر 2750 ل.س، وآخرها “الهريسة” بالسمن الحيواني والمنقشة باللوز والكاجو، بسعر 600 ل.س، والمصنوعة بالسمن النباتي 400 ل.س.
وأشارت المديرية إلى أنه “يمنع الجمع بين نوعين من الحلويات المصنعة بالسمن النباتي والسمن الحيواني في المحل الواحد، كما يجب على البائع ذكر نوع السمن المستخدم، وذلك بوضعه عبارة حلوياتنا مصنعة بالسمن كذا”.
ورغم تشديد المديرية أن “هذه الأسعار حد أقصى لا يجوز تجاوزه، إنما يمكن البيع بأقل منه”، ورغم زيارة وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، سمير قاضي أمين، في حكومة النظام، لسوق الحلويات في الميدان، التي أوضح خلالها أنه “لن يتم التساهل في اتخاذ العقوبات الرادعة بحق كل من يتلاعب بالأسعار، ومن لا يتقيد بنشرة الأسعار الصادرة عن مديريات التجارة الداخلية، وبالمواصفات والنوعية الجيدة لآي سلعة من السلع”، رغم ذلك فالأسعار تجاوزت نشرة هذه المديرية بفارق كبير، وبشكل معلن دون أي اكتراث، ما يؤكد غياب الرقابة وعدم احترام القوانين.
موجة ارتفاع الأسعار، طالت كذلك معظم الغذائية، ومنها اللحوم. ورد تاجر اللحوم أبو محمد، السبب إلى “قلة أعداد الخراف، جراء التصدير والتهريب المنتشر بشكل كبير، وارتفاع أسعار العلف بشكل كبير، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المحلات”.
ورصدت “صدى الشام” أسعار لحوم الضأن في دمشق، لتتراوح بين 2100 ليرة و2500 ليرة بحسب جودتها، في حين جاوز سعر كيلو لحم العجل الـ 1800 ليرة.
وقال مصطفى، مربي خراف في ريف دمشق: إن “مؤسسة الأعلاف لا تؤمّن مخصصات مربي المواشي من الأعلاف، ما يجعلهم مأسورين للسوق السوداء، بأسعارها المرتفعة، وما يجعل التاجر بدوره يرفع سعر الخراف ومشتقات الألبان والأجبان”.
من جانبه، قال ربيع، محلل اقتصادي: إن “السوريين يعيشون أحلك أيامهم، فنحو 75% يعيشون تحت خط الفقر، أي لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية، فكيف إن كان الحديث عن حلويات، وهم لا يجدون الخبز ليأكلوه”. وأضاف “ارتفعت أسعار الحلويات مقارنة بعام 2011 بين 400 و1000%، في حين زادت الرواتب نحو 70%، بالتزامن مع انخفاض القيمة الشرائية لليرة، وارتفاع معدل التضخم العام لنحو 200%، بالطبع لا يمكن إغفال ارتفاع معدل البطالة إلى 50%”.
وحذر المحلل الاقتصادي من “استمرار تدهور حالة السوريين، في غفلة من مؤسسات النظام، حيث بدأ خطر انهيار المجتمع يلوح في الأفق، مع ظهور أمراض اجتماعية بحاجة لسنوات طويلة لنتعافى منها”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث